أسامة سعيد القحطاني
إن ممارسة المرأة لحقوقها أمرٌ جبلّي، تفرضه الظروف والحاجات، كما هو الحال بالنسبة للرجل. فللمرأة أن تعمل وتتاجر وتتقاضى أصالةً أو وكالة، كما هي تأكل وتشرب وتنام. ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تُمنع من حقوقها الطبيعية بأي حجةٍ كانت
من أهم المبادئ التي جاءت بها الشريعة الإسلامية هو مبدأ العدل مع المرأة وحفظ حقوقها، فحرّمت الكثير مما كان يفعله أهل الجاهلية من ظلمٍ للمرأة. وكان من مظاهر ذلك؛ تحريم وأد البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية ازدراءً للنساء. ومن قدر الله تعالى؛ أن لم يعش للرسول عليه الصلاة والسلام أبناؤه الذكور كما عاشت فاطمة رضي الله عنها، وكان عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام يحترمونها أشد الاحترام. وسُمي عثمان رضي الله عنه بذي النورين أن كان زوجا لاثنتين من بنات النبي عليه الصلاة والسلام.
ولم تفرق الشريعة بين الرجل والمرأة في كثير من الحقوق، فيما هم فيه متساوون في الواجبات. وكان من عدل الشريعة أن فرَّقت بينهما فيما هم فيه مختلفون من حيث الواجبات أو الاحتياجات. فقد فرّقت بينهما في العبادات؛ مثل الصلاة والصيام بالنسبة للحائض، وكذا في النفقة من حيث وجوبها والرعاية للأبناء، وهكذا. كما أن الشريعة ساوت بينهما في كثيرٍ من الأمور من بينها؛ حق التملك، والاتجار وممارسة الأعمال، والذمة المالية، ولم يربطها الشارع بموافقة الزوج أو الأب والولي. كما أن حقها في التقاضي أمام القضاء مساوٍ للرجل أيضا، وكذا جميع الأمور المرتبطة بذلك من وكالات وما إلى ذلك.
هذا التفريق والمساواة في كلتا الحالتين من تمام العدل الرباني الذي جاء به الإسلام، حيث إن من مقاصد الإسلام الكلية التيسير وعدم التضييق على العباد. وبنظري؛ أن التضييق على النساء في أي أمر من الأمور السابقة التي كفلها الإسلام لها، وإلجائهن إلى التخلي عن هذا الحق المشروع كالإلجاء إلى التوكيل مثلا واضطرارهن إلى عدم ممارسة تلك الحقوق، نوعٌ من التعدي على ما أباحه الله تعالى، الذي هو محرم في الشريعة العادلة بعدد من النصوص لا تخفى. وفي حال الاستناد إلى مبدأ سد الذريعة في ذلك؛ فإنه يجب أن لا يتعدى ذلك إلى استلاب ذلك الحق الثابت للمرأة أو حتى التضييق في ممارسته؛ لأن ذلك من التضييق فيما أباحه الله لداعي الحاجة أو الضرورة، والتضييق في ذلك يخالف العقل والشرع ويتعارض مع مصالح الناس الضرورية.
إن ممارسة المرأة لحقوقها أمرٌ جبلّي، تفرضه الظروف والحاجات، كما هو الحال بالنسبة للرجل. فللمرأة أن تعمل وتتاجر وتتقاضى أصالةً أو وكالة، كما هي تأكل وتشرب وتنام. ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تُمنع المرأة من حقوقها الطبيعية بأي حجةٍ كانت.
لا شك أن هناك فتنا تقع، وأنها في ازدياد خاصة مع حالة الرخاء التي نعيشها ولله الحمد، ولكن لا يُشرّع هذا منع النساء من ممارسة حقوقهن الحاجيّة لمجرد خوف من أمر قد يقع وقد لا يقع، ولا يعني هذا الدعوة إلى الانفتاح الحاصل في بعض المجتمعات غير الإسلامية، فكل أمة لها خصوصيتها، إلا أن هناك العديد من الأمور التي تستدعي الحاجة لمراجعتها.
إن لدى المرأة حقوقا وواجبات مثل ما يقع على الرجل، وكثير من النساء من تتحمل عبء أسرتها أو والديها بل وربما زوجها أيضا. وليس هذا في سبيل الاحتجاج لتسويغ حقها الطبيعي شرعا، فحقها في ممارسة حقوقها الطبيعية من عمل وتجارة وغيرهما قد كفلها الشرع قبل ذلك.
كل هذه الحقوق يجب أن تُكفل للمرأة وأن تيسّر لها ببذل ما يسهم في تهيئة الظرف والمكان المناسبين لها كي تمارس حقوقها بنفسها، لا أن تُمنع من تلك الممارسة. ولا يجوز بأي حالٍ أن تُلجَأ المرأة لأن تستخدم الوكلاء كي يُنهُوا لها شؤونها مادامت راغبة في إنهائها بنفسها؛ لما قد يؤدي ذلك لكثيرٍ من ضياع الحقوق أو تأخرها أو ارتفاع تكلفتها على الأقل.
وفي هذا السياق؛ إذا نظرنا لوضع النساء مع الجهات القضائية وكتابات العدل نجد أن ممارسة المرأة لحقها في الترافع أو تقييد البيع والشراء وما إلى ذلك يعتريه الكثير من الصعوبات والعوائق التي يجب أن تذلل لها. حيث يوجد الزحام الشديد أحيانا من الرجال مع عدم توفر من يخدمها من النساء، بل أحيانا يستدعي الأمر أن ينتظر ويبحث الرجل في تلك الجهات ساعات، فما بالك بالمرأة وهي ضعيفة الصوت والجرأة! مما يجعل هذا الوضع شبيها بإلجاء وإكراه المرأة على التوكيل، وهذا لا يجوز لما فيه من المنع من ممارسة ما تجيزه الشريعة وتأكده الحاجة! فضلا عن كثير من المشكلات التي يتسبب فيها هذا الوضع، من ضياع حقوقها، كما نراه يتكرر كثيرا في العديد من المسائل مثل ضياع الإرث والتصرف في الأملاك بغير إرادتها، والكثير الكثير، وربما يكون هذا الموضوع مناسبا لأن يكون مقالا آخر نظرا لعدم وجود نظام قوي ومتطور في ذلك.
هذه الأمور مجتمعة جلبت بالتأكيد الكثير من الوقائع التي تضيع فيها حقوق المرأة ومصالحها وربما يغلق باب الرزق أمامها، وربما يستوجب الأمر أن يكون من أولوياتنا نحو الإصلاح المنشود.
المصدر:الوطن أون لاين