العازبون يلجأون للمثل: إن لم تمت ألم تر من مات؟
بيروت ــ وفاء عواد
«ينتابني شعور غريب وأنا وحيدة بعيداً عن ضجيج نهاري وصخب عملي»، عبارة تردّدها سهى (34 عاماً)، مرفقة بإشارتها الى أن لحياتها لونين: أبيض هو عملها والنجاح الذي تحقّقه، وأسود يعتلي غربة جدران منزلها و«الكآبة التي تسكنه وتسكنني فيه».
وهي واحدة ممن تعلّمن لينجحن، إذ لم يحالفها الحظ في الارتباط ممن أحبّته، فانتهت علاقتها بغير الخواتيم المرجوّة، وانضمّت إلى ركب المتأخّرات في الزواج، كي لا تقول «العوانس»، كما يطلق على من اخترْن عدم الزواج أو لم يعثرن على رجلهنّ المناسب.. «بعد العمل أكنس.. أطبخ.. أجلي، أتحمّل تأفّفات من حولي، سلاطة لسان خطيبة أخي، ومزاجية أختي التي تتحضّر للزواج»، هكذا تختصر بعض يومياتها.
بالنسبة إليها، لا تقتصر المعاناة على «إحساس البنت بحاجتها إلى حبيب وشريك»، بل في الأهل والمجتمع والمحيط وفي نظرة الشباب أنفسهم.. وعليه، فهي تضطر إلى تحمّل مشاحنات الأهل المستمرة وتعاملهم معها كأنها عبء لا حول لهم ولا قوة عليه، ثم هناك فضول الناس الذين لا يملّون من سؤالها «ليش ما تزوّجتي لحدّ هلق» في كل مناسبة ولقاء، «يعني ما حدا بيترك البنت تعيش حتى عنوستها بسلام».. تقول إن دموعها تنهمر غزيرة ما أن تطفئ ضوء غرفتها وتضع رأسها على وسادتها، هناك تستجمع الأفكار والذكريات، تستجمع الصورة عساها تتكمّن من محوها ذات مساء لتكمل طريقها، والصورة نفسها تأخذها إلى رؤية نفسها عروساً بفستان أبيض.
تعددت الأسباب والمشكلة واحدة
وحال سهى تشبه حال كل الفتيات اللواتي «فاتهنّ قطار الزواج»، وفق معايير محيطهنّ، وذلك يرجع إلى أسباب مختلفة، إما بسبب رفضهن للزواج بانتظار فارس الأحلام، أو لتعنّت الأهل، والأكثر شيوعاً هو فشل العلاقات العاطفية، وهناك قلّة من النساء نسيْن أنفسهنّ في أروقة العمل ومشاغله. وهذا ما يشغل بال الحاج توفيق (68 عاماً- والد إحدى الفتيات العانسات)، والذي يقول: «تذبحني نظراتي لابنتي التي تجلس كل يوم صامتة لا تتحدّث وأنا ارقبها، وهي تنظر إلى زوجات إخوتها وهم يعيشون حياتهم الطبيعية، ويؤلفون عائلاتهم التي تكبر رويداً رويداً، وقطار العمر يكاد يسبقها ولا تحرّك ساكناً».
من جهته، يعيد الخبير الاجتماعي الدكتور ملحم المصري بعض المشكلة إلى عجز الشباب عن تأمين منازل بسبب الأوضاع الاقتصادية، بالإضافة إلى انتشار البطالة والمواصفات التعجيزية للمرأة التي سيرتبطون بها وطبيعة التجارب التي يخوضها الشاب، والتي قد تفقده، نظراً لتنازعه بين تقليديته ومتطلبات العصر، الثقة بالطرف الآخر، فضلاً عن الهجرة التي ولّدت تفاوتاً ديموغرافياً خطيراً وصل إلى نسبة رجل إلى خمس نساء.
نساء يرضين بالواقع
«عليّ أن أكون أسداً في غابة الرجال»، تقول منى (36 عاماً)، التي تهرب من مزاجية الأم وتعنّت الأب اللذين حرماها الزواج لترعاهما.. تهرب إلى واقع رسمته لنفسها عبر ريشة وألوان تخطّ عبرهما الحياة التي تحلم بها، ترسم البحر وغروب الشمس، منزل الأحلام الذي يعجّ بأطفال.. لكنها تستفيق سريعاً من الحلم كي لا تتأثر وتصاب باكتئاب: إنترنت ورياضة ورسم وأشغال يدوية، هي الأساليب التي تعتمدها في حياتها اليومية كي تهرب من الفراغ القاتل.. «ليس عيباً البقاء دون زواج، فأنا أعمل وأؤمّن اكتفائي الذاتي وأعيل أهلي أيضاً، ولا أفكر في أنني عالة على أحد»، هكذا تقول.
أما بالنسبة الى صباح، فإن «العلم هو سلاح المرأة»، وتتذكّر عبارة جدّتها التي طالما رنت على مسامعها «يمكن ما يِجي نصيبك، هيك بيكون معك سلاح»، تحبّ هذه المقولة وتردّدها دوماً، وهي الحاصلة على شهادة ماجستير في علم الاجتماع.. تقدّم لها الكثير من الشبان، لكن «دون المستوى»، وتقول: «أبحث عمّن يشبهني في التفكير والمنطق، الحياة مشوار طويل لا ينتهي في يوم».. لا تنكِر حنينها الى الحب والى حبيب تجده بجانبها وقت الشدّة، ولا تخفي غيرتها من أخريات يعشْن الحب إلا أنها تقول «الزواج قسْمة ونصيب».. ترفع رأسها كمن يرغب بتأكيد رضاه عن حاله لتضيف: «إن حياة الفتاة لا تتوقف على الزوج والرجل، هناك نساء ناجحات وتبوّأن مراكز مهمة في شركات ومؤسّسات وهنّ سعيدات بأنفسهنّ وأوضاعهن. الرجل ليس الحياة كلها، هو جزء منها».
ولأن «أسوأ الضغوط هو ضغط المجتمع، والذي يبدأ من النظرة وإلقاء الكلمات الجارحة، وصولاً الى اتهام الفتاة بخوض علاقة غير شرعيّة تدعوها الى رفض الزواج كي لا ينكشف أمرها»، ترفض الباحثة في الفكر الاجتماعي عبير (35 عاماً) فكرة أن تصبح العنوسة وصمة اجتماعية، وأن تظلم نفسها بارتباطها بمن لا يتوافق معها، و«لعل هذا ما يعلّل وجود أكثر من 45 ٪ من حالات الطلاق بين حديثي الزواج»، تقول مشيرة إلى أن الفتاة غير المتعلمة قد تقبل بأي عريس يتقدّم لها، فهي تجلس في المنزل تنتظر قدومه. أما أنا، فلا أقف مكتوفة اليدين، بل أتطوّر وأسعى لتحقيق ذاتي».
«عنوسة» اختياريّة
هي العنوسة «ليست أمراً مخيفاً للفتاة اللبنانية»، حسب رأي الاختصاصي النفسي الدكتور فادي ريشا، فـهي ليست في أغلب الأحيان عنوسة قسريّة، بل اختياريّة، بمعنى أنها تتمّ بمطلق الإرادة وبكامل التصميم، وربما يكون ذلك لعدم الرغبة في تحمّل مسؤولية الأسرة والأطفال، وهذا ينطبق على الجنسين، أو قد يكون لأسباب نفسيّة كتجربة تعرّض لها أحد الطرفين وأدّت الى اتخاذ هذا الموقف، كقصص الحبّ الفاشلة أو خيانة أحد الطرفين أو الموت»، لكن هذا الأمر يخلق «نتائج كارثيّة على المجتمع، إذ يؤدّي إلى اضطراب سلوكيات الشباب والصبايا على السواء»، لا سيما في ظلّ العلاقات الممنوعة والتصرّفات المحكومة والمراقَبة وحيث الاستقلاليّة بعيداً عن سلطة الأهل هي شبه مستحيلة.
وبلغة الأرقام، تشير دراسات منشورة الى أن نسبة العزوبيّة ارتفعت في لبنان من 3 ٪ في السبعينات إلى 11 ٪ أواخر التسعينات، وتجاوزت بعد الألفين الـــ20. وفيما تكون إجابة النساء غالباً، لدى سؤالهن عن سبب تأخر زواجهن من نوع أنهنّ لم يعثرن على توأم الروح أو الرجل المناسب. يعيش أغلب الذكور هذا السؤال وكأنه اتهام مباشر لهم بالعجز، أو في أبسط الأحوال بأنه غير مرغوب به في أوساط «الجنس اللطيف».. وكلما حاول السائل أخذ النقاش إلى مكان آخر، يعود به إلى النقطة نفسها ليتأكد من أنه استأصل أية شكوك قد تكون بقيت في خاطره، مشدّداً على أنه «كامل مكمّل»، و»أنا رجّال ما في شي بعيبني»، كما يقول أحدهم، معتبراً أنه لو أصبح في التسعين من عمره فستبقى فرص الزواج كثيرة أمامه، ولو أراد ذلك حالاً لتمكّن منه بإشارة من يده فقط!.
وقد لا يكون هذا الكلام بعيداً جداً عن الحقيقة، فلا شك بأن ميزان العرض والطلب بين الجنسين مختلّ في لبنان لعوامل شتّى. فالتغيّر في مكانة المرأة ودورها بفعل النضال النسوي، حسب الدكتور المصري، قادها إلى مزاحمة الرجل على معظم ميادين تفوّقه، برغم مثابرتها على التقيّد بالنموذج الأنثوي المرغوب به اجتماعياً، و«في ظل هذا التبدّل في أحوال النساء، كان لا بدّ لهوية الرجال الذكريّة ونظرتهم لشريكاتهم ولحياتهم عموماً أن تتبدّل أيضاً».
عزاب يحكون قصصهم
ومحمد (49 عاماً- مهندس) واحد ممن عاش قصة حبّ خيالية، وبعد أربع سنوات قرّرت حبيبته المحامية أن تنتسب الى جمعية معنيّة بالدفاع عن حقوق المرأة وغرقت في التحرّكات المطلبيّة، إلى أن سألته ذات مرة إذا كان مستعدّاً لتبادل الأدوار التقليدية، أي أن يبقى في المنزل وتخرج هي للعمل!.. يعترف بأنه أحبها كثيراً، لكنه ببساطة يعتبر أن مثل هذه التضحيات من المفترض أن تقوم بها النساء، يقول وهو يلوي فمه ساخراً «مش ظابطة».
يقاطع فراس (33 عاماً- صاحب مطعم) الحديث بشيء من الدهشة: «أنا رجل ناجح من دون شك، لكنني ألغيت فكرة الزواج من بالي تماماً»، يقول مضيفاً بثقة: «لم ولن أندم على ذلك يوماً».. وهكذا لا يتردّد بالتأكيد على أنه يفضل أن يعيش «عصفوراً طيّاراً» بدلاً من أن يكون «زوج الستّ»، كما أنه يجد أن فكرة تخلّي النساء عن حياتهنّ العملية في سبيل الارتباط فقط بات صعباً جداً، في ظل الثورة التي يقدنها لتحصيل حقوقهنّ.. «مين الرجّال ومين المرا؟، يعني معليش صار بدنا مين يطالبلنا بحقوقنا». أما قراره فنهائي إلى أن يلمس أن شيئاً تغيّر أو على الأقل يتقبل المسألة.
«الحمد الله، أنا عازب (ة)»! عبارة طالما يردّدها اللبنانيون الذين «أضربوا» عن الزواج لسبب أو لآخر، لاسيما حين يُسألون عن وضعهم الاجتماعي، معبّرين بذلك عن امتعاضهم من فكرة الزواج وما يتخلّلها، حسب رأيهم، من قيود ومسؤوليات هم بغنى عنها.. وفي المحصلة، يدأب كل عازب (أو عازبة)، وبأسلوبه الخاص، الى زيادة زملائه في نادي «العزوبية»، فيحاولون إقناعهم بالحفاظ على حريتهم تطبيقاً للمثل اللبناني المأثور: «إن لم تمتْ ألم ترَ من مات؟».
لبنان.. رجل لكل 5 نساء وعنوسة اختيارية من الطرفين
- التفاصيل