الإسلام اليوم/ واس
أكد فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ صلاح البدير في خطبة الجمعة أن في سير السابقين عظة وهداية وفي قصص الأنبياء دلالة وما أحوج الأمة إلى النظر في تلك القصص والأنباء لتكون علما ومنارة ومحجة وأسفارًا، "وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين".
وأوضح، خلال خطبة الجمعة اليوم، أن قصة أبي الأنبياء وإمام الحنفاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم أشرف أولي العزم بعد النبي صلى الله عليه وسلم قصة مجللة بالآيات والعظات والعبر والدلالات إبراهيم الخليل الذي جعلت الإمامة متصلة بسببه وباقية في نسبه وخالدة في عقبه لا ينلها الظالمون من ذريته.
وأكد إمام المسجد النبوي الشريف أن من خصائص سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وفضائله سلعة ثنية لا تضاهى ومرتبة عالية لا تباهى وخصوصية فريدة لا تسامي وكل كتاب أنزل بعده من السماء على نبي من الأنبياء فذلك النبي من ذريته, ولما كبر إبراهيم عليه السلام وعقمت سارة اشتدت لوعة الوحدة ومرارة الوحشة فدعا إبراهيم ربه أن يهب له عقبًا صالحًا فدخل بمشورة سارة على هاجر الأمينة المؤمنة فأنجبت له إسماعيل عليه السلام ومن هذا الفرع الشريف والغصن المنيف خرجت الجوهرة الباهرة والدرة الزاهرة وولد خير أهل الأرض على الإطلاق وسيد ولد آدم بالاتفاق نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي اختاره ربه واصطفاه ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه. ومضى الشيخ البدير مبينًا أن الغيرة دبت في نفس سارة وتشعب لبها وثار حزنها وشجنها وتمنت على إبراهيم أن يذهب بهاجر وابنها إلى حيث لا تراهما فركب إبراهيم بهما يطوي المراحل حتى جاء بأمر ربه موضع البيت الحرام في موطن مقفر هواء ومكان خلاء وبلاد جرداء ووادي موحش ليس به زرع ولا ضرع ولا أنيس ولا حسيس فتركهما هناك لا يملكان سوى جراب به قليل من الغذاء وسقاء به يسير من الماء فتبعته أم إسماعيل فقالت , يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي إلى من تتركنا, فقال إبراهيم إلى الله , قالت رضيت بالله وفي لفظ قالت إذا لا يضيعنا , مؤكدا فضيلته أن هذه هي العقيدة الصادقة التي توقظ الضمائر وترهب المشاعر استسلمت للقاء الله وخضعت لحكمه وانقادت لأمره بلا تردد ولا تعنت وفوضت أمرها وألجأت ظهرها ووجهت وجهها إلى الحي الذي لا يموت فلتأخذ المرأة المسلمة اليوم من هاجر المؤمنة نبراسًا في الاتباع وقدوة في الانقياد وأسوة في الصبر والثبات.

وقال فضيلته: "إن إبراهيم انحدر مفارقًا حشاشة نفسه مودعًا قطعة قلبه مستسلمًا للقضاء صابرًا على البلاء داعيًا دعاء الموقن بإجابة الدعاء "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون", ومكثت هاجر تعالج القضاء المحتوم فنفذ زادها وجف ضرعها حتى لا تجد لابنها ماء يبل صدرها ولا لبنا تتندى به شفتاه في مخمصة مقصعة ومزغبة معطبة فهاجها التياع طفلها ونحيب صغيرها وهو يتلوى يفحص الأرض برجليه ويضرب الصلد بقدميه كأنه ينشق للموت فانطلقت كراهية أن تنظر إليه وقد تقطعت نياط قلبها فقامت على الصفا فاستقبلت الوادي لعلها ترى أحدا ثم استقبلت الوادي ورفعت ذراعها وسعت جهدها حتى أتت المروة فقامت فوقها ونظرت لعل أحدا يأتي نحوها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فذاك سعي الناس بينهما"، فلما أتمت سبعة بين الصفا والمروة إذا هي بصوت فنادت نداء اللهفان واستغاثت استغاثة الظمآن فإذا هي بجبريل عليه السلام فبحث بعقبه الأرض فانبثق الماء وفاض وتفجر نبع زمزم وحار , مبينا فضيلته في هذا السياق أن الله تبارك وتعالى لا يضيع من اتقاه ولا يخيب من رجاه.

وأشار فضيلته إلى أن الله سبحانه وتعالى رحم ضعف هاجر عليها السلام وفرج كربها ونبع الأرض تحتها فجعلت تحوضه بيديها وتضربه بكفيها وتسقي وليدها وتملأ سقاءها , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو لو لم تغرف من زمزم لكانت زمزم عينًا معينًا"، وها هي زمزم تسقي بأمر ربها الحجيج وتطفئ لهب الأجيج ويسمع لها فجيج خير ماء وجد على ظهر الأرض , يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنها لمباركة هي طعام طعم وشفاء سقم"، وحلق الطير فوق الماء وصفق بجناحيه في السماء فرأته رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء فأقبلوا يستأذنونها بالنزول في جوارها والإقامة في ناحيتها فألف ذلك أم إسماعيل وهي تحب جنسها وأذنت لهم حتى أضحوا أنسها وتوافدت أبيات منهم عليها وهوت أفئدة من الناس إليها ونشأ إسماعيل بين ولدانهم وتكلم بلسانهم ونطق بعربيتهم وأعجبهم فزوجوه ثم فجع إسماعيل عليه السلام بموت أمه الصابرة وانتقال هاجر إلى الدار الآخرة بعد أن أرضعته جميل الشمائل والخصال وبادرته بالتأديب حتى بلغ مبلغ الرجال وتربية الأولاد هي مهمة المرأة العظيمة ووظيفتها الأولى ومتى ضيعت ضاعت الأمة وأجيالها وفسدت أوضاعها وأحوالها.

وأوضح إمام وخطيب المسجد النبوي أن إبراهيم عليه السلام يفد إلى ابنه ليتفقده أحيانًا تهيج حرقة الاشتياق ويزعجه ألم الفراق والشوق إلى الولد لا يرده صبر ولا يستقل به صدر فجاء يوما وإسماعيل يبني مبنى فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد مع ولده عند التلاق بعد طول الفراق ثم أخبر إبراهيم عليه السلام ابنه بما أمره به ربه من بناء البيت على أساس من التوحيد والحنفية ونبذ الشرك والوثنية فرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل بين عينيه وطوع يديه ورهن كفيه يأتي بالحجارة ويعين أباه في البناء والعمارة فلما ارتفع البناء جاء له بحجر ليقوم عليه فقام إبراهيم على حجر المقام حافي القدمين يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان "ربنا تقبل منا إنك أنت السمع العليم", وما شأن العمل بلا قبول وما قيمته بلا رضا فاتخذ من الإخلاص وسيلة إلى القبول ومن الموافقة والاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم وسيلة إلى حصول الأجر والثواب المأمول فالمرء لا ينتفع بعمله والمبدع لا يثاب على سعيه.

وأشار فضيلته إلى أن البناء تم وصدح إبراهيم في الأرض بالأذان والنداء فأقبلت الوفود وتقاطرت الحشود من عهد أبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا والمسلمون يؤمون الكعبة المعظمة والبطاح المقدسة والمشاعر المحرمة وقد توحد منهم اللباس على اختلاف الأجناس وتوحدت المناسك على اختلاف البلدان والممالك اجتمعوا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين ، بنيان واحد وجسد واحد يسعد بسعادة بعضه ويتألم لألمه ومرضه ، وأصبحت الكعبة المشرفة قبلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولكل وجهة هو موليها ولكل طريقة يرتضيها ووجه المسلم حيث توجه به دينه لا يخرج عن جهته ولا يماثل غيره في رحلته وحليته ولا يشابه في سنته وهيئته ولا يقاربه في خلقه وطريقته وأنى لأهل الإسلام أن يتوجهوا لغيره والوحي نزل عليهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيهم حتى صاروا ببركة رسالته ويمن سفارته ونور دعوته ودلالته خير الأمم.

وفي نهاية خطبته دعا الشيخ البدير، المؤمنين إلى الثبات الثبات والحذر الحذر أن تزل بهم الأقدام فدينهم هو القدوة الصحيحة وشريعتهم هي الشريعة المستقيمة وعقيدتهم هي الفطرة السليمة.

JoomShaper