د.ديمة طارق طهبوب
كان حرق الحجاب والنقاب في اليمن مشهدا مؤلما بكل المقاييس وكونه صدر عن شعب مسلم محافظ معروف بالتزامه كان أشدّ إيلاما، ورضوخ الشعب المعروف بحكمته اليمانية لتقاليد وعادات قبلية زاد فوق الحرقة حريقا.
الحجاب يحترق واللهب يتعالى، هذا ما تراه في المشهد ويراه العالم، وقد لا ينتظر المشاهد ليعرف القصة ويفهم الأسباب والدوافع والنتائج المؤملة، بينما لا يجد البعض الآخر مبررا مقنعا لما يحصل ولو كانت الغاية بلوغ نجم الثريا، فالأهداف العظيمة بحاجة إلى وسائل توازيها في العظمة لتحقيقها، ومن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ووطنه، ومن وقع فيها وقع في المحظور والمكروه، وما علمنا في تاريخ من سبقوا من الفائزين ولا من لحقوا من التابعين أنّ حرق الحجاب أو النقاب أو المس بأيّ من رموز الدين محمود العواقب!
أما التقاليد القبلية وعرف المجتمع فباطل إذا ناقض معلوما من الدين بالضرورة وانتقص فريضة من الفرائض، و كان من جهل الأمم السابقة أنّهم كانوا يتعذّرون بسيرة آبائهم والاقتداء بها والتي كانت تحول بينهم وبين الهداية فقالوا "إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مهتدون".
إنّ من لا يتأثّر لمشهد دماء البشر وهي أعظم حرمة عند الله من الكعبة، ولا يشتعل دمه لأعراض النساء تنتهك ويُنتقص منها، لن يحرّكه حرق الحجاب ولا النقاب ولا الجلباب ولن ينوبنا سوى أننا انتقصنا من قدسية الحجاب بأيدينا وبكامل إرادتنا أمام أعين العالم أجمع!
ربما بدأت الثورة باحتراق إنسان، ولكن دوامها ورشدها لن ينبني على الفعل ورد الفعل والاستفزاز والإستجابة، وإنّما يحتاج لوعي وتخطيط وحكمة، والأمة التي جاءت بالنور والسلام "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام"، لا ينبغي أن تبني حياتها على الحريق أو تنتظر انبثاق العنقاء المخلصة من الهشيم.
لقد قُذف إبراهيم عليه السلام قصرا وتنكيلا ولم يدخلها طواعية، عندها فقط خرق الله نظام الكون وجعلها عليه بردا وسلاما، ولكن اختيار النار عن سابق إرصاد وترصّد لا يخلف وراءه إلاّ الرماد!
الحجاب والنقاب يحترقان ومهما كان التبرير اليمني نبيلا فالمشهد لمن يراه يعود بالذاكرة إلى مظاهرة حرق الحجاب في ميدان عابدين في مصر حيث ربط الدين بالتخلّف بالاحتلال، وكان حرق الحجاب والدعوة إلى السفور مظهرا عندهم من مظاهر التحرر، ومن يومها حرقوا الحجاب وقالوا تحررنا، ومن يومها ونحن دول وشعوب ترسف في الأغلال!
الحجاب أو النقاب يحترق ودخان اللهب المتصاعد يذكر أنّ سمية زوجة عمار طعنت في مكان عفتها واستشهدت وعانت السيدة خديجة رضي الله عنها الحصار والجوع والعطش حتى أستطيع أنا وأنت أيّتها المرأة المسلمة أن نرتدي الحجاب بعزة دون خوف أو وجل أو تضحية، وحتى عندما ظنّت نائلة بنت الفرائضة أنّها بفضّ جدائلها ونشرها على زوجها عثمان بن عفان تمنع قاتليه من الوصول إليه، قال لها عثمان حياتي تهون دون حجابك وقال لها وهو في نزعه الأخير: "خذي خمارك فإنّ حرمة شعرك عندي أعظم من دخولهم علي وقتلي"، فهل كان ليرضى للحجاب أن يُحرق وهو لم يرض أن يسقط عن رأسها؟!
إنّ المشاهد من الغرب والمتربّص القريب والبعيد قد يرى في المشهد فرجة لينفذ بسمومه إلى المجتمعات العربية المسلمة في قضية الحجاب والنقاب والتشدد وحرية المرأة وغيرها من القضايا والصور النمطية التي يتّخذها مطية لإمضاء مخططاته، وما دام العرب المسلمون يحرقون الحجاب والنقاب بأيديهم، فالدول الغربية سترفع عن نفسها العتب واللائمة عندما تشدد الخناق على الحجاب والنقاب ما دام هناك حجج وضغوط قد تؤدي بالنساء المحجبات إلى ما فعلته أخواتهن اليمنيات، بل إنّ هذا الأمر برمته قد يحرّض الكارهين إلى المس برموز إسلامية أخرى وما الإقدام على حرق القرآن من بعض الجماعات إلاّ دليل أنّ رموزنا عندما تهون في أنفسنا فهي على غيرنا أهون.
ما هكذا تورد الإبل يا حفيدات بلقيس ولا هكذا يُعامل الحجاب مهما بلغ اليأس حدّه فالقوة والأمل بالله الذي بشّر عباده المؤمنين "حتى إذا استيأس الرسل وظنّوا أنّهم قد كذّبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين"، والنصر يكون بالصبر والثبات لا بالتفريط.
فداك أنفسنا أيّها الحجاب حتى وقد أصبحت رمادا...
واحترق قلبي باحتراق الحجاب
- التفاصيل