د.ديمة طارق طهبوب
في محاضرة يغلب على جمهورها طابع التدين كانت النساء من أوائل الحضور، وبذوق وتقدير منهن تركن الصف الأول فارغا وانتقلن إلى الصف الثاني والثالث، إلاّ أنّ أحد الشباب جاء بعد جلوسهن بوقت وطلب منهن الرجوع إلى الخلف وإخلاء الصفوف الأمامية للرجال حتى يجدوا مكانا عندما يأتون "متأخرين" بالطبع عن وقت بداية المحاضرة التي كان أغلب جمهورها من النساء مع عدد من الرجال يعدّون على أصابع اليد!
لا أدري كيف وجد ذلك الشاب الأدب والشجاعة والتبرير ليطلب من النساء ترك أمكانهن وهن اللواتي حرصن على الحضور المبكر من أجل الرجال! أيّ منطق بدائي جاهلي ما زال يحكم عقلية بعض الرجال يرى في الذكورة سببا للتقدّم وفي الأنوثة سببا للتأخّر؟! نعلم أنّ الصلاة من المواطن التي تكون النساء فيها في الصفوف الخلفية، ونعلم أنّ المرأة بخشوعها وعملها وقبول الله لها قد تسبق رجلا في الصفوف الأمامية ولكننا لا نعلم غير ذلك، وإنّما قضية التقديم والتأخير في الصلاة زيادة في الحفظ والصون للمرأة وليس تقليلا لمكانتها أو إطلاقا عاما لهذا الترتيب وهذه الوضعية على بقية مناشط الحياة، فقد قدّم الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة سلما وحربا، في العلم والعمل، وعندما تخلّى الرجال وتفرّقوا وقفت أم عمارة وحيدة إلاّ من تأييد الله لها وصدق إيمانها وعزيمتها تدافع عن رسول الله واستحقّت على موقفها المتقدّم في الصف الأول دعاء الرسول لها ولأهلها بالجنة.
كذلك من بعده جاء عمر بن الخطاب وهو الذي لا يهادن في دين الله ولا تأخذه في الله لومة لائم، فعيّن الشفاء القرشية مسؤولة الحسبة، وهو منصب فيه من عراك المجتمع ما فيه للقيام بأمره، فهل كانت تخاطب الرجال من وراء حجاب أم تقضي حاجاتهم من وراء ستار؟!
ثم لماذا نفترض بالضرورة أنّ كل اجتماع للرجال والنساء هو موقف فتنة وأنّ النساء إذا جلسن في الصفوف الأولى سيكنّ في مرمى نظر الرجال، وكأنّ من يريد أن ينظر سيعجزه صف أول أو أخير، فالعين تستطيع أن تسرح في المدى ما لم تقصرها رقابة الله؟ وهل حديث الرسول عن فتنة النساء محصور أم ينطبق على النساء جميعا وفيهن المسلمات المؤمنات القانتات التائبات العابدات؟! لماذا نفترض الأسوأ في النفوس؟! ولماذا ننتظر وقوع الذنب؟! أليس من الأدعى أن نثق بالناس ونتوسّم فيهم الخير، فما رجل أو امرأة يحرصون على العلم والثقافة إلاّ ونظنّ أنّهم تعالوا على سفاسف الأمور وحقير الأفكار والخلجات.
لن أردد ما يردده الجهلة إذ قالوا لا تضع الكبريت بجانب النار ثم تنتظر الخير، فالنار تحرق وتهلك ولكنها أيضا تنير وتحيي، والنفس البشرية أرقى من ذلك، وهي عندما تستنير بنور الله وبهدي السنة تقترب من الملائكية، وهذا لا يعني أنّها لا تخطأ ولكنّ الأصل أن نعامل المخطئ بحسن الظن ونجتنّب سوء الظن ما قلّ منه أو كثر.
نحن نساء قد تحررنا في عصر الرسالة المحمدية ولم نكتسب كرامتنا لا من شيخ ولا من رئيس ولا من رجل أيّا كان! كرامتنا جاءت بقرار ربّاني "ولقد كرّمنا بني آدم"، وطبّقها نصير المرأة الأول الذي ولدته امرأة، وأرضعته مكارم الأخلاق في البادية على عين الله امرأة، وأحبّته ونصرته وآوته امرأة، ودافعت عنه امرأة، وخاطرت بنفسها وحملها من أجله امرأة ذات نطاقين، وكانت أم أبيها وأول أهله لحوقا به امرأة.
هكذا نرى أنفسنا وريثات هؤلاء النسوة، لا رجل يقدمنا عندما يريد، وبالتأكيد لا يؤخرنا بحسب مزاجه! أمّا من أراد أن يجلس في الأمام فليكن على قدر الموقع الأمامي بتحلّيه بفكر منفتح وذكاء في التعامل وإقبال ومبادرة وسبق، فالرجولة المتقدّمة كما تقول الكاتبة منار أبو النادي "ليست خشونة أحبال صوتية وليست انتصارا على امرأة، بل هي استيعاب المواقف جيدا، ثم أن لا تفرّ من أخطائك كطفل."
بعد العطية الربانية والتطبيق المحمدي لن نرجع إلى عصر كانت المرأة فيه عارا يوارى في حفرة، وليس فقط في صف خلفي رضي من رضي وأبى من أبى.


JoomShaper