محمد رجب البيومي
إذا عُرف السبب
للمستشرق الانجليزي الأستاذ رينولد نيكلسون جهد (كبير) في تاريخ الأدب العربي، وهو من الذي تعمقوا الدراسات الإسلامية والآداب الشرقية من عربية وفارسية وتركية تعمقا دل على صبر وجلد، وله دراسات معمقة عن فريد الدين العطار وعمر الخيام والشمس التبريزي والمسعودي ومحمد اقبال ومحيي الدين بن عربي وغيرهم من رجال الفكر الإسلامي، وقد قال الأستاذ أحمد حسن الزيات أن بحوثه في تاريخ الأدب العربي ذات قيمة ممتازة يتجلى بها وضوح الأسلوب واستقامة المنهج وقوة الإدراك لمختلف الآثار والعوامل التي طبعت أدب العرب في كل عصر وفي كل بيئة، وقد كنت أتمنى أن يكون ما قاله أستاذنا الزيات رحمه الله مطردا في جميع فصول كتابه الكبير عن تاريخ الأدب العربي، إذ قرأتُ هذا الكتاب الحافل في ترجمته التي كتبها الأستاذ الدكتور حسن حبشي فوجدت ما يدل على قوة الصبر، وحسن الاستقرار، وسعة الأفق، ولكن ذلك كله يتضح إذا لم يكن الحديث عن عصر الإسلام في عهده الأول، فهنا نجد من وضوح الغرض، وميل الهوى ما كنا نربأ بدارس متمرس أن يبتعد عنه، ولكن ما بالذات لا يتغير.
لقد قرأت ما كتب المؤرخ الكبير عن المرأة العربية ومكانتها في العصر الجاهلي فرأيته يرتفع بها إلى مكانة أعلى وأسمى مما نعرف، فعجبت أن يتحدث المستشرق الإنجليزي عن المرأة الجاهلية بهذه الروح العاطفة المقدرة، وقلت إن الرجل الكبير بريء من التعصب، وقد آثر العرب بإنصافه العادل حين لمح هذه المحامد النبيلة، واصطفاها معتزا مباهيا، وللمرأة في الجاهلية مكانتها التي لا تُنكر في كثير من القبائل، ولدى السادات الرؤوس من ذوي الحل والعقد، ولكن المؤرخ الذكي لم يكلف نفسه عناء الحديث عن منزلتها العالية في الجاهلية إلا ليقول بعد ذلك في صراحة عجيبة: (وإذا نظرنا إلى هذه الأبيات الجميلة “يقصد بعض ما ذكره من شعر الجاهلية في المرأة” نجد أنها كافية للرد على من يزعمون أن الإسلام قد رفع منزلة المرأة الاجتماعية!! هنا عُرف السبب الحقيقي في هذا الإطراء، إذ أنه ذو مغزى تبشيري صريح، فالمؤرخ العلامة يعزُّ عليه أن يكون الإسلام قد أخذ بناصر المرأة، وشرَّفها أتم التشريف، ولا بد –في نظره- من جهاد علمي شاق لطمس هذه الحقيقة، بأن نتبع ما عُرف في الشعر الجاهلي من تقدير للمرأة لنقول إن الإسلام لم يصنع شيئا!! وهو المطلوب.
وقبل أن نُشير إلى بعض ما قدمه الإسلام للمرأة من رقي وإصلاح، نُعلن أن ربوع الجاهلية كانت مهد الإسلام، وقد اختارها الله لحمل هذه الرسالة السامية، لما تتضمن من عناصر الخير، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، فنحن مع المؤرخ حين يذهب إلى أن الجزيرة العربية “كانت ذات قيم نسائية كريمة في مجتمعها الأول” ولكنها لم تكن خيرا كلها، بل مزجت الخير بالشر، والصالح بالطالح، فجاء الإسلام ليقوي عناصر الخير، ويستأصل نوازع الشر، فأبقى كل وازعٍ خلقي، وعلى عن كل نزعة شريرة، وقد ذكر الأستاذ نيكلسون خلاصة ما قرأ عن سمو المرأة في بعض نواحيها، وأغفل ما يعله علم اليقين من نواحي هوانها، ذكر عن المرأة الجاهلية أن السيدات كن يخترن أزواجهن عن حرية، وهذا بالنسبة لبعض دون بعض، فليس الحديث على إطلاقه كما يوهم كلام المستشرق الذي تابع ذكر هذه المآثر، فقرر أنهن ما كن جواري أو متاعا بل كن مساويات لأزواجهن يلهمن القصيد، ويثرن نخوة المحارب في القتال، ويبعثن الأبطال على الجلد وقوة الاندفاع في ميادين الحروب، كما قال نيكلسون: إن نُبل النساء لا يظهر أثره في العهد الجاهلي من احترام الرجال إياهن فحسب، بل يظهر فيما تردد عنهن من القصص، والأحاديث، من ذلك أن فاطمة بنت الحُرشب كانت إحدى ثلاث عُرفن بالمنجبات، وكان لها سبعة أبناء، ثلاثة منهم يسمون بالكملة، واستطرد فذكر قصة أسرها، وكيف قاومت هذا الأسر حتى ضحّت بنفسها دون أن تقع أسيرة، ومضى الأستاذ يسرد من القصص والشعر ما نؤيده ونباركه إذ كان حقيقة واقعة، ومن أحسن ما استشهد به أبيات رائعة للشنفري يقول فيها عن امرأته:
لقد أعجبتني لا سقوطا قناعها ولا هي إن سارت بذات تلَّفتِ
يحلّ بمنجاة من اللؤم بيتها إذا ما بُيوت بالملامة حلّت
أميمةُ لا يُجزى نثاها حليلُها إذا ذُكر النسوانُ عفَّت وجَلَّت
إذا هو أمسى آبَ قرّة عينيه مآبَ سعيدٍ لم يَسل أينْ ظلّت
فالأبيات تصور الشرف والكرامة والطهر حقا، ولكنها ليست الصورة العامة لكل نساء الجاهلية، يتضح ذلك من قول الشاعر (إذا ما بيوت بالملامة حلت) وما بِنا –شهد الله- أن ننتقص المرأة الجاهلية مهما هانت طبقتها، ولكننا نستغرب أن يكون ذك مقصوداً لشيء آخر، هو قول المؤرخ عقب هذه الأبيات مباشرة: (وإذا نظرنا إلى هذه الأبيات وما توحيه من المعاني نجد أنها كافية في الرد على أولئك الذين يزعمون أن الإسلام قد رفعَ منزلة المرأة الاجتماعية!!).
لو كان الأستاذ نيكلسون لم يتخصص في الثقافة الإسلامية، ولم يدرس تاريخ الإسلام دراسة واعية لقلنا إن الكاتب ذو عُذر في اتجاهه، ولكنه ممن كتبوا عن صدر الإسلام كتابة تدل على قراءته الواعية للقرآن والحديث وتاريخ الصحابة، فكيف لا يعرف ما كان بالجاهلية من شرور تحُيق بالمرأة!! وقد جاء الإسلام لإبطالها، أيكون مثله ممن يجهل أن العرب في جاهليتهم الغابرة كانوا يئدون البنات؟، فحرم الإسلام هذا الجرم الهائل وندد به أكبر تنديد: يقول الله عز وجل: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}، ويقول تعالى في معرض التنديد بوأد البنات: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}.
أيجهل الأستاذ نيكلسون أن العرب في جاهليتهم لم يكونوا يوَرِّثون النساء ولا الصبيان من أهل الميت، إذ الميراث منحصر في الرجال الذين يستطيعون لقاء الأعداء في ساحات القتال، ويكسبون الغنائم الظافرة بعد انتهاء المعارك، وبذلك يحق لهم أن يتوارثوا المال ليبلغوا به مكان السيادة في القبيلة، يقول ابن عباس رضي الله عنه: “لما نزلت الفرائض في آيات الميراث وبيَّن الله أنصبة الزوجة والبنت والولد والأبوين كره ذلك الناس، وقالوا كيف تُعطى الزوجة الربع أو الثمن، وتُعطى البنت النصف، وكيف يُعطى الغلام الصغير، ولا أحد من هؤلاء يغشى الحرب ويسوق الأموال!
كيف يجهل الأستاذ نيكلسون أن الجاهلين كانوا يرثون النساء كرها، بأن يجيء الوارث، ويُلقي ثوبه على زوجة مورثه، ثم يقول: ورثتها كما ورثت ماله، فيكون أحق بها من نفسها، فإن شاء تزوجها بلا صداق، أو زوجها سواه واستوفى صداقها، أو حرّم عليها الزواج إطلاقا ليرثها إذا ماتت، فحرمت الشريعة الإسلامية كل ذلك ونزل قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا}.
كيف يجهل الأستاذ نيكلسون أن العرب كانوا يُعضلون النساء فيمنعنهن من الزواج في بعض القبائل، وقد يقسوا العربي على أخته حتى تتخلى له عن كل ما تحوز، وكان الزوج إذا كره زوجته لا يهُم بتسريحها بل يسيء عشرتها حتى تموت كمدا أو تفتدي نفسها ببذل كل ما أخذت منه، فحرَّم الإسلام ذلك، ونزل قول الله: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ} والعضل: منع المرأة من الزواج.
كيف يجهل الأستاذ نيكلسون أن النساء كانت كبعض السلع والعروض التجارية يتصرف فيهن ولي الأمر دون رجوع إليهن في شيء وكأنهن عجماوات لا يعقلن! بل كان للزوج أن يتنازل عن زوجته لغيره متى شاء بعوض أو غير عوض، رَضيَت أو لم ترضَ!.
يقول الأستاذ محمد أحمد جاد المولى رحمه الله في كتاب (محمد المثل الكامل) صلى الله عليه وسلم.
(لقد نظرت الشريعة الإسلامية بعين الرحمة والرأفة إلى ضعف المرأة الطبيعي، وتميز الرجل عنها بالقوة والقدرة على العمل، فقضت عليه بأشق الحقوق وأعظمها، وهو إيتاء النفقة، والقيام بحاجاتها الشخصية، ولم تكلفها عمل شيء حتى إرضاع ولدها، وألزمت الزوج صداقا يؤديه قبل البناء بها، إلا إذا اتفقا على تأخيره، وفي ذلك يقول رسول الله(ص) : “أيما رجل تزوج امرأة على ما قلّ من المهر أو كثر ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها فمات ولم يؤدَّ هذا الحق لقي الله يوم القيامة وهو زان” والزوجة المسلمة لا تفقد شخصيتها باقترانها، بل تظل متمتعة بجميع الحقوق التي يتمتع بها كل حر مستقل الإرادة، فهي صاحبة السلطان على ثروتها، تتصرف فيها كما تشاء في حدود القانون، فإن كانت تاجرة فربحها لنفسها من غير أن يكون للزوج نصيب فيه، وإذا مات الزوج أخذت نصيبها في تركته).
أيجهل الأستاذ نيكلسون أن الإسلام سوّى بين المرأة والرجل في المعاملات المالية والعقوبات! وفي طلب العلم، وفي كل ما فيه صلاح النفوس والعقول والأبدان!، فهل يقول قائل بعد ذلك أن الإسلام لم يعمل شيئا في سبيل المرأة وأنها في جاهليتها كانت ذات حقوق لا تقبل المساس!.
لقد وضح الحق ساطعا، وما بعد الحق إلا الضلال.
المرأة بين الجاهلية والإسلام
- التفاصيل