محمد العواودة
جاءت اتفاقية "سيداو" (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة) ضمن جهود الأمم المتحدة الطويلة لإنصاف المرأة وإعادة حقوقها وتمكينها في المجتمعات، حيث ابتدأت إرهاصات هذا المشروع لأول مرة عام 1945، في أول معاهدة دولية من نوعها، لمحت إلى قضية مساواة الرجل والمرأة في الحقوق، لتتوالى بعد ذلك القرارات الدولية تباعا في إشاعة هذا المفهوم ونشره وتعميمه في المجالات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية... الخ، وصولا إلى الاتفاقية الخاصة "سيداو" التي نحن بصددها سنة 1979، والتي دخلت حيز التنفيذ سنة 1981.
وقعت معظم الدول الإسلامية والعربية على الاتفاقية، وكان لبعض هذه الدول تحفظات على بعض بنود الاتفاقية، كانت في اغلبها دستورية،  بمعنى أنها لم تكن تحفظات قائمة على أساس المناقشة الحضارية أو الدينية، أو إبراز العامل الديني البحت فيها، أو مناقشتها بالموازاة مع أسس الشريعة الإسلامية "ضمن السياق العام لمفهوم العدالة الاجتماعية"، وهو العنوان الأبرز في الاتفاقية.
تعتبر اتفاقية سيداو من أكثر الاتفاقيات المجمع عليها في الأمم المتحدة بعد اتفاقية حقوق الإنسان، وتعتبر اتفاقية "سيداو" في نفس الوقت، من أكثر الاتفاقيات في الأمم المتحدة التي تتحفظ الدول الموقعة على بنودها، وقد وقع الأردن على الاتفاقية في الأول من آب/أغسطس 2007، وتحفظ على عدة بنود فيها، تتعارض مع سمات المجتمع الأردني والأحكام والقوانين الجارية.

مما لا شك فيه، أن لاتفاقية سيداو العديد من الايجابيات التي تتماهى وتتساوق مع تصورات الشريعة الإسلامية للعدالة الاجتماعية، أو المفاهيم التي لا يرفضها الإسلام ضمنا بدلالة الخطاب أو فحواه،  التي تحض على تكريم المرأة في العديد من المجالات المجتمعية المختلفة، وذلك بالضد من المفاهيم القبلية التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي، التي كرست لدونية المرأة من خلال النظرة الغريزية الجافة، وأقصتها عن مجتمع الرجل المحاط بهالة من القداسة في كل ما يريد ويفعل.

في مقابل ذلك، فان الاتفاقية المكونة من ثلاثين بندا تحمل في طياتها بعض الرؤى السلبية التي تتعارض مع فلسفة الشريعة الإسلامية، وحتى الدساتير الوطنية في بعض الدول العربية والإسلامية التي تعتبر الشريعة الإسلامية أو تستأنس بها، وتراعي عادات المجتمع وتقاليده في دساتيرها وقوانينها الوضعية، حيث تطالب الاتفاقية بإلغاء جميع القوانين والأعراف والممارسات التي تعمل على التمييز ضد المرأة، وإلغاء جميع الأحكام والقوانين والعقوبات الوطنية التي لا تعتبر ذلك بالنسبة إلى فلسفة الاتفاقية، في إشارة إلى جريمتي الزنا والإجهاض.

كما سبقت الإشارة، فان بنود الاتفاقية الثلاثين، تتمحور حول إشاعة العدل الاجتماعي العالمي، من خلال إنصاف المرأة وبلورة حقوقها في المجتمعات الدولية، قياما على مبدأ المساواة المطلقة مع الرجل في جميع الحقوق في كافة مناحي الحياة، وعولمة ذلك من جانب حضاري واحد وهو الثقافة الغربية، غير ملتفتين إلى الخصوصيات الثقافية في المجتمعات الأخرى، وهو ما يفسر تلك التحفظات الكثيرة للدول على الاتفاقية التي تنظر إلى حقوق المرأة أو مساواتها مع الرجل بشكل نسبي، بالموازاة مع القيم والمبادئ والأعراف التي تشكلت وترسخت عن طريق الدين في أغلبها.

هذه النسبية التي نراها واضحة المعالم في مجتمع العدالة الإسلامية، "مع تجلي نسبية الحقوق مع الواجبات" حيث لا واجبات تحض عليها اتفاقية "سيداو". فتكريس حقوق المرأة في المجتمع الإسلامي، يأتي من إجماع إنساني مطلق، تتفرع منه الحقوق والواجبات، وتتمحص هذه وتلك من خلال طبيعة التكوين الفسيولوجي والسيكولوجي والفروض الفيزيائية في سياجها الأخلاقي الراقي الذي رسخته وحضت عليه الشريعة الإسلامية.

فقد تُقدم الشريعة الإسلامية الرجل على المرأة في بعض الحقوق الناتجة عن ظرفه وواجبه الذكوري مثل: تقديمه في الميراث، والقوامة العامة، إلى غير ذلك بالنظر إلى تكوينه الفسيولوجي وقدرته الفيزيائية على تحمل الأعباء الميدانية للحياة، وقدم المرأة على الرجل في بعض الحقوق الناتجة عن ظرفها الموضوعي وتكوينها الفسيولوجي، حيث يطغى عندها البعد العاطفي على العامل الفيزيائي والقدرة الميدانية، استنادا إلى تكاليف الأمومة وتنشئة الأطفال ورعايتهم رعاية كاملة غير منقوصة لتكوين الأسرة: اللبنة المجتمعية الأولى، وخليتها في صلاح الإنسان أو فساده.

في الجانب السلبي للاتفاقية التي انطلقت في عموم صياغتها من جانب حضاري واحد، يستند في جانبه الفلسفي إلى الانفصام عن اطر الدين وتسديده، حيث تخلط الأدوار بين الرجل والمرأة، وتخرج كلاهما عن الطور الفطري الذي حباه الله لكل واحد منهما، والسياج الأخلاقي الحاضن لعفة الإنسان وطهره، ستكون مسألة حقوق المرأة على هذا الاعتبار، جزء من المشكلة المجتمعية لا جزء من حلها، لاسيما عندما تتمظهر في نظام مقولب غير مقصود لذاته.

لاتفاقية "سيداو" أن تحقق أكبر إجماع دولي على بنودها من غير تحفظات أو مع قلة منها، لو نظرت عند صياغة بنود الاتفاقية إلى الجانب الحضاري الآخر، واعتبرت خصوصية المجتمعات الأخرى أو ناقشتها بطريقة موضوعية في بناء ثقافة المساواة، بالنظر إلى الحقوق والواجبات معا، وليس الحقوق لوحدها، ولأزالت معها الكثير من الالتباسات والسلبيات والشكوك، ولجعلت من المرأة وحقوقها قضية يتوحد العالم عليها، حيث لا تكون سببا إضافيا آخر لتفريقه، عند إدماج المرأة في مضمرات سياسية وقضايا وإشكالات حضارية باسم إنصافها وتمكينها
.

JoomShaper