أم عبد الرحمن محمد يوسف
حين تكلمنا عن أسباب العنوسة ومظاهرها، وذكرنا حجم المعاناة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي بسبب هذه الظاهرة - كان هدفنا هو البحث عن حلول لهذه الظاهرة القميئة والتي تسبب صداعًا في أغلب المجتمعات العربية والإسلامية.
وحين نتكلم عن الحلول في مقال؛ فإننا لا نزعم أننا نجد الحلول الجذرية لهذه المشكلة، وإنما نقدم مقترحات تفيد صانعي القرار في الدول المعنية بهذه المشكلة، فالعنوسة ليست ظاهرة فردية أو محدودة تحتاج لبعض الأفكار، وإنما هي مشكلة مجتمعية ضخمة تحتاج لبذل جهد حقيقي من جميع أفراد المجتمع وقيام مشروعات وطنية تعالج هذه المشكلة.
ولكن قبل الحديث عن الحلول، فلنحلل قليلاً بعض الآثار السلبية للعنوسة على العانس وأسرتها؛ لعلنا ندرك عمق المشكلة وطبيعة العانس لنعرف كيف نتعامل معها.
البيئة النفسية للعانس:
يكاد علماء النفس والاجتماع يجمعون على أن تداعيات العنوسة لا تتوقف على الفتاة وحدها، وإنما تمتد لتشمل باقي أفراد الأسرة جميعًا، فالأب ـ مثلاً ـ قد ينساق وراء نصائح زوجته بالبحث عن (عريس) لابنته بين كل المحيطين به والمتعاملين معه، فيلجأ إلى عرض ابنته بطرق غير مباشرة على بعض زملائه أو أبنائهم، وإذا فشل في ذلك فإنه يلجأ إلى أساليب لا شعورية تخفف عنه، كأن يبلغ الآخرين مثلاً بأن ابنته قد تقدم لها الكثيرون ولكنه رفض ـ أو رفضت هي ـ لأسباب متعددة، وربما تعايش مع هذا الكذب حتى يعتقد بأن ما يرويه من أكاذيب هو الحقيقة بالفعل، وهو ما يقوده في نهاية المطاف إلى كثير من الاضطرابات النفسية والسلوكية.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تمتد هذه التداعيات لتشمل علاقة الأب بابنته العانس، فينهج في تعامله معها طريقة من بين ثلاث طرق؛ فإما التغاضي عن هذه المشكلة، وترديد عبارات مثل "القسمة والنصيب" و"ربنا عايز كده"، وإما التشدد والعنف في تعامله مع ابنته وتشديد الرقابة عليها؛ لأنه يظن ـ لا شعوريًّا ـ أن في ابنته شيئًا ما خطأ جعل الآخرين يعزفون عن التقدم إليها، وإما ترك الحبل لها على الغارب بدعوى أن كثرة خروج ابنته ورؤية الآخرين لها قد يدفع أحد الشباب إلى الاقتران بها.
وبينما يكون هذا حال الأب، فإن الأم تعيش هذه المشكلة بكامل طاقتها وعصبيتها وقلقها واكتئابها، فهي كأم تشعر بعمق أحاسيس ابنتها، وتعيش على حلم أن ترى ابنتها في عش الزوجية وأن ترى أحفادها، ومن ثم فقد تنتابها حالات من الاكتئاب، وقد تلجأ إلى السحرة والدجالين ظنًّا منها أن ابنتها "معمول لها عمل"، وقد تلجأ إلى الدلالات لتعرض عليهن مشكلة ابنتها، مع وعدهن بمكافأة سخية إذا أحضرن لابنتها (عريس) المستقبل.. غير أن الأم في بعض الأحيان قد يكون إيمانها قويًّا فتقوم بالتخفيف عن ابنتها وحثها على الرضا بقضاء الله.
أما الأخت الصغرى، فلاشك أن مشاعرها تكون مبهمة وغامضة، وقد تهيئ نفسها لأن تكون في الوضع ذاته وتعيش نفس المأساة ـ أي لا تتزوج مثل أختها ـ وقد تتفنن في ابتكار طرق مختلفة لجذب أنظار الشباب والدخول في علاقات آثمة مع بعضهم، ظنًّا منها أنه إذا وقع المحظور فإن هذا يضمن لها الفوز بـ(عريس) المستقبل، وألا تواجه نفس مصير شقيقتها.. بينما إذا كانت شقيقات الفتاة متزوجات فإنهن يشعرن بالأسى تجاه أختهن، وفي الوقت ذاته يشعرن أيضًا بالنقص أمام أزواجهن، خاصة إذا سألوهن عن سر عدم زواج أختهن أو حملت أسئلتهم تلميحات حول سلوك الفتاة وطباعها.
ومن البديهي بطبيعة الحال أن تكون الفتاة نفسها أكثر أفراد الأسرة معاناة من مضاعفات العنوسة، وعلى رأسها المضاعفات الجسدية والنفسية؛ منها الشعور بالاضطرابات والقلق والتخوف من المستقبل وعدم الاستقرار أو راحة البال.
ففي المجتمعات العربية تحديدًا يعد الزواج "سترة" للفتاة وحفظًا لكرامة أسرتها، ومن ثم فإن تقدمها في السن دون زواج قد يثير العديد من الأقاويل التي تمس سمعة الفتاة وسمعة الأسرة، فتشعر بالدونية وبأنها أقل من الأخريات، وبخاصة عندما تصرخ بداخلها نداءات الأنوثة والأمومة، وهو ما قد يدخلها في دوامات من القلق والاكتئاب واليأس والتشاؤم من الحياة.. وربما حاولت الفتاة التغلب على هذه الدوامات باللجوء إلى توثيق صلتها بالله أكثر، غير أنها قد تغلو دينيًّا فتمارس دور المفتي في التحليل والتحريم.
وقد تسلك الفتاة العانس طريقًا مغايرًا تمامًا للهروب من دوامات القلق واليأس هذه، فتلجأ إلى الابتذال والسفور غير الطبيعي في ملابسها وهندامها بطريقة تثير غرائز الشباب، رغبة في إثبات الذات والشعور بأنها مرغوبة مثل باقي أترابها، بل وربما سعت في الوقت ذاته إلى كثرة الاختلاط بالشباب في الأماكن العامة وفي العمل والأسواق تحت زعم ما يسمى بالصداقة.
وشيئًا فشيئًا قد يتحول هذا الابتذال والسفور إلى انحلال خلقي، فتندفع الفتاة إلى الانحراف وإقامة علاقات جنسية سرية وعابرة لإشباع رغباتها خارج مؤسسة الزواج، أو إلى ما يسمى بالزواج العرفي أو السري، بيد أنها رغم ذلك تظل في كلتا الحالتين محرومة من مشاعر الأمومة ومن الإحساس بالأمان. [مجلة الدعوة الإسلامية الكويتية].
حلول العنوسة:
أولًا: تخفيف المهور وتسهيلها، والبعد عن المغالاة فيها: فقد حث الإسلام على ذلك. قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «ألا لا تغالوا صدقة النساء؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئًا من نسائه، ولا أنكح شيئًا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية» [رواه الترمذي وصححه الألباني].
وزاد ابن ماجة: «وإن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه» [رواه ابن ماجة وصححه الألباني]. وحث على تذليل العقبات أمام الشباب. قال صاحب الظلال: «إن الزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية الفطرية، وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة، فيجب أن تزول العقبات من طريق الزواج، لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها. والعقبة المالية هي العقبة الأُولَى في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس» [في ظلال القرآن، سيد قطب].
وحث الإسلام على تزويج الشباب الأكفياء، وحذر من ردِّهم؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».
قال الملا علي القاري: «لأنكم إن لم تزوجوها إلا من ذي مال أو جاه ربما يبقى أكثر نسائكم بلا أزواج، وأكثر رجالكم بلا نساء، فيكثر الافتتان بالزنا، وربما يلحق الأولياء عار فتهيج الفتن والفساد، ويترتب عليه قطع النسب، وقلة الصلاح والعفة» [مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري].
وفي منع الفتاة: «من تزويجها بكفئها ثلاث جنايات: جناية الولي على نفسه بمعصية الله ورسوله، وجناية على المرأة حيث منعها من كفئها الذي رضيته، وجناية على الخاطب حيث منعه من حقٍّ أمَرَ الشارع بإعطائه إياه» [الضياء اللامع من الخطب الجوامع، العلامة ابن عثيمين رحمه الله].
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «ولو أننا نسلك طريقة لتسهيل الأمر، وتخفيف حدة المغالاة بتأجيل بعض المهر، بأن تقدم من المهر ما دعت الحاجة إليه في النكاح، ونؤجل الباقي في ذمة الزوج لكان هذا جائزًا وحسنًا، وفي ذلك تسهيل على الزوج، ومصلحة للزوجة؛ فإن ذلك أدعى لبقائها معه؛ لأنه لو طلقها لحل المهر المؤجل إذا لم يكن له أجل معين» [الضياء اللامع من الخطب الجوامع، العلامة ابن عثيمين رحمه الله].
بل وصل الأمر إلى مشروعية عرض الأب الصالح ابنته للزواج على الرجال الصالحين؛ فهذا الرجل الصالح صاحب مدين يعرض ابنته على موسى - عليه السلام -: {قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: ٧٢] قال القرطبي: «فيه عَرْض الولي ابنتَه على الرجل، وهذه سنة قائمة، عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعرضتِ الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الحسن عرض الرجل وليته، والمرأة نفسها على الرجل الصالح، اقتداء بالسلف الصالح. قال ابن عمر: لما تأيمت حفصة قال عمر لعثمان: إن شئت أنكحك حفصة بنت عمر» [تفسير القرطبي].
وعرض سيد التابعين سعيد بن المسيب ابنته على أحد طلبته، وزوَّجه بها؛ فعن ابن أبي وداعة، قال: «كنت أجالس سعيد بن المسيب، ففقدني أيامًا، فلما جئته، قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، قال: ألا أخبرتنا فشهدناها. قال: ثم أردت أن أقوم، فقال: هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة، فقال: أنا، فقلت: أو تفعل؟ نعم، ثم حمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين، أو ثلاثة».
ثانيًا: أن يبادر الشباب إلى الزواج: فقد حث الإسلام كل شاب قادر على مؤنة النكاح (المهر والنفقة) على المبادرة إلى ذلك، فقال - تعالى -: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِـحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإمَائِكُمْ إن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور: ٢٣] قال ابن عباس: «أمر الله - سبحانه - بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوِّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى».
وتكفل الله - تبارك وتعالى - بإعانة الشباب العازمين على الزواج؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف».
ونستكمل باقي الحلول في لقائنا القادم بإذن الله، فإلى لقاء....
المصادر:
مجلة الدعوة الإسلامية الكويتية.
في ظلال القرآن، سيد قطب.
مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري.
الضياء اللامع من الخطب الجوامع، العلامة ابن عثيمين رحمه الله.
تفسير القرطبي.
مجلة البيان.
الزواج من أجل الحياة، عبد الرحمن الصايغ.
هل من حلول؟ (1)
- التفاصيل