لها أون لاين
"لو كان الفقر رجلاً لقتلته" مقولة تنسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، و تحمل في مضمونها ما للفقر من آثار سلبية عميقة تنعكس تبعاتها على الفرد والمجتمع بأكمله، فتحد من تطور البلاد وتقدمها، فكيف بتلك الآثار إن كانت المرأة أحد أهم الأطراف المتضررة فيها، حيث تتعدى تأثيراتها على حياتها الأسرية وتنشئة أبنائها، كونها محور الحياة الأسرية ومرتكزها.
إن الدراسات العالمية تشير إلى أن نسبة النساء الفقيرات في العالم قياساً للفقراء بشكل عام 70% من بين 1,3 مليون فقير، أما النساء العاملات على وجه الخصوص فيمثلن 60% من 550 مليون من العمال الفقراء.
وبحسب دراسة قدمتها الدكتورة الجازي الشبيكي (عميدة لمركز الدراسات الانسانية بجامعة الملك سعود) فإن الكثير من الظواهر تؤكد أنه في ظل النظام العالمي الجديد، وفي ظل العولمة والتعديل الهيكلي وغيره من الأسباب فإن ظاهرة فقر المرأة في ازدياد مستمر، ومن المتوقع بأن يزيد أعداد النساء الفقيرات زيادة كبيرة في السنوات المقبلة.
فعدا عن الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها، كان للتغيرات الاجتماعية التي تشهدها المجتمعات العربية تأثيرها الكبير على زيادة معدلات الفقر بين النساء، كتغيير نظام الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية الصغيرة، وما تبعه من ضعف للروابط الأسرية، مما أفقد المرأة الكثير من المساندة التي يمكن أن تحظى بها في ظل الأسرة الممتدة، التي تحرص على سد الفروقات، وإعانة أفرادها، وتلبية متطلباتهم من منطلق المصلحة الجماعية.
ومن الأسباب التي ساهمت بشكل كبير في فقر المرأة: ضعف تطبيق الشرع في التعاملات الإنسانية المالية، من تأدية الرجال لواجباتهم كالقوامة، والانفاق على الزوجة، أو تأدية حقوقها في حال الطلاق، خاصة تلك التي تنتهي بالخلع والتي تجبر فيها المرأة على التخلي عن حقوقها لتنال الطلاق، وكذلك التهاون في حسن الصحبة للأم والانفاق عليها، والتقصير في تأدية الواجبات الدينية المالية من إيتاء الزكاة وإعطاء الصدقات.
إن المتأمل في نسبة الفقيرات من المطلقات والمعلقات والأرامل يعي مدى أثر ضعف تطبيق الشرع على ازدياد مستوى الفقر بين النساء، وكذلك تدني مستوى تعليمهن، ففي دراسة قامت بها الدكتورة مجيدة محمد الناجم ـ أستاذ مساعد بقسم الدراسات الاجتماعية في جامعة الملك سعود ـ تحت عنوان: "خصائص فقر المرأة في المجتمع السعودي من المنظور النوعي" شرحت فيها مفردات الحالة الاجتماعية للمرأة السعودية الفقيرة؛ حيث احتلت المرأة المطلقة الجزء الأكبر من خارطة الفقر بين السعوديات بنسبة تصل إلى 31,7% تلتها الأرملة بنسبة 29,9 % موضحة أن أغلب الفقيرات من السعوديات تعليمهن دون الثانوي.
وما يزيد الأمر سوءاً أن تبعات الفقر لا تقف عند الحاجة المادية والعوز فحسب، وإنما تصاحبه مشكلات صحية واجتماعية ونفسية وتعليمية، وهذه المشكلات قد تأسر ضحاياها في دائرة الفقر المفرغة، وتحول دون خروجهم منها، لذلك لا بد للدولة بمؤسساتها الحكومية والأهلية من تضمين هذه القضية في إستراتيجياتها وخططها، والسعي لتضافر الجهود بين قطاعات الدولة على اختلاف تخصصاتها؛ للحد من انتشار هذه المشكلة، وتقديم الحلول الناجعة والعملية، من توفير المساكن، وفرص العمل، وتأهيل هذه الشرائح من المجتمع.. وكل ذلك لا يتأتى إلا من خلال تفعيل المراكز البحثية، لتوفير قاعدة بيانات صحيحة حول أوضاع المرأة الفقيرة في المجتمع، مبنية على إحصائيات دقيقة، تشمل العدد ودراسة الحالة والاحتياجات، وكل الظروف المتعلقة بذلك ورفعها إلى مؤسسات الدولة المعنية بهذه القضايا.
كما لا بد من تطوير عمل الجمعيات الخيرية، والضمان الاجتماعي، وجعلها أكثر مرونة في التعامل مع هذه الشريحة من المجتمع وتلبية احتياجاتها؛ إذ إنها ببيروقراطيتها أحياناً تكون جزءاً من المشكلة، بدلاً أن تكون جزءاً من الحل.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المرأة الفقيرة تتحمل جزءاً من المسؤولية عن حالة الفقر التي تعيشها؛ بسبب تهاونها في تنمية قدراتها ومهاراتها، وربما متابعتها لتعليمها، إذ إنه يتعين عليها الاهتمام بهذا الجانب، كما يقع على مراكز التدريب الحكومية والأهلية دور كبير في تخصيص مقاعد مجانية لهذه الشريحة، وتأهيلها بما يساعدها على إعالة نفسها في حال غياب المعيل، كحالات الطلاق والترمل، أو الهجر وترك المرأة معلقة، على ألا تكتفي هذه المراكز بالتدريب فحسب، وإنما تشجيع هذه الشرائح على تطوير نفسها وقدراتها ومهاراتها لتظفر بفرص أفضل تعينهم على تجاوز مشكلاتهم، كما على هذه المراكز أن تتوجه إلى المجتمع والرجل خاصة لتوعيته وتحميله المسؤولية، بتأدية واجباته الاجتماعية والمالية تجاه المرأة، سواء كانت أما أو زوجة أو ابنة أو أختا أو قريبة ليس لها معيل.
نحن لسنا ممن يركز على تأنيث الفقر، وإنما إن تأنّث فلأن رجالاً لم يقوموا بواجبهم الذي أمرهم به الإسلام، فالنظام الرباني العادل الذي لم يترك جانباً من جوانب الحياة إلا وشمله.
إن تأنث الفقر .. ففتش عن الرجل
- التفاصيل