بسام حسن المسلماني
من المصطلحات الحديثة التي يتم تدوالها بشكل كبير  في المنتديات والمحافل الدولية هي مصطلح "تمكين المرأة" ، وقد انتقل هذا المصطلح إلى أدبيات وخطابات الكثير من الساسة والمثقفين في عالمنا العربي والإسلامي. فما حقيقة هذا المصطلح وما هي دلالاته؟
بين الاستقواء والتمكين:
التمكين:  هو الترجمة العربية الشائعة لمفهوم (empowerment) أحد المفاهيم المستحدثة التي تم تداولها وتوظيفها بكثرة في عدد من المجالات والحقول المعرفية ضمن المجال التداولي الغربي.
"وقد وقع اختيار الأمم المتحدة على هذا المفهوم ليشكل حجر الزاوية في منظومتها التنموية التي تبنتها في الربع الأخير من القرن الفائت التي استهدفت دمج النساء والفئات المهمشة في عملية التنمية بعد إقصائها لعقود عديدة، ومنذ ذلك الحين جرت محاولات لمأسسة المفهوم وتحويله إجرائيا إلى عدد من البرامج التنموية، وهو ما أدى إلى انتشار المفهوم عالميا على صعيد واسع".(1) لوحظ أن عددا من المصطلحات المثيرة للجدل، يتم ترجمتها في الوثائق الرسمية للأمم المتحدة بشكل غير دقيق. مثل: مصطلح ( Women Empowerment)، حيث يترجم إلى "تمكين المرأة"، وهي ترجمة خاطئة،  تؤدى إلى تغيير المعنى والمضمون، وتوجيه الفهم باتجاه مختلف تماما. فكلمة "التمكين" هي كلمة قرآنية تتلقاها العقلية العربية والإسلامية بمفهوم إيجابي ألا وهو: تمكين المرأة من حقوقها التي منحتها إياها الشريعة الإسلامية، ولا بأس في ذلك.
في حين أن المرادف لكلمة تمكين في اللغة الانجليزية هو كلمة Enabling، وليس Empowering، أما الترجمة الصحيحة لمصطلح Women Empowerment فهي: "استقواء المرأة" (فكلمة Power تعني قوة، وكلمة Empowering تعني تقوية، وكلمة Empowerment تعني استقواء).

و"استقواء المرأة Women Empowerment"، يعني تقوية المرأة لتتغلب على الرجل في الصراع الذي يحكم العلاقة بينهما، وفقا للثقافة الغربية التي أفرزت ذلك المصطلح، ويتماشى ذلك التفسير مع الحركة النسوية الراديكالية التي تبنت: "مبدأ الصراع بين الجنسين -الإناث والذكور- انطلاقًا من دعوى أن العداء والصراع هما أصل العلاقة بينهما، ودعت إلى ثورة على الدين، وعلى اللغة، والثقافة، والتاريخ، والعادات والتقاليد والأعراف، بتعميم وإطلاق! وسعت إلى عالم تتمحور فيه الأُنثى حول ذاتها، مستقلة استقلالاً كاملاً عن عالم الرجال".(2)
وظهر مفهوم استقواء (تمكين) المرأة في تسعينيات القرن العشرين من خلال الوثائق الدولية الخاصة بالمرأة والصادرة عن هيئة الأمم المتحدة، وأهمها وثيقة مؤتمر القاهرة للسكان (1994)، ووثيقة المؤتمر العالمي الرابع للمرأة (1995)، ثم صار المصطلح محوريا في كل ما تلاها من وثائق، مثل: القاهرة للسكان+5، بكين+5، وغيرها.
وبحسب فانيسا جريفين  Vanessa Griffen ما يعنيه التمكين بالنسبة لها: "إنه ببساطة يعنى مزيدًا من قوة المرأة، والقوة تعنى لها: مستوى عالٍ من التحكم ومزيد من التحكم؛ وإمكانية التعبير والسماع لها، والقدرة على التعريف والابتكار من منظور المرأة، والقدرة على الاختيارات الاجتماعية المؤثرة والتأثير في كل القرارات المجتمعية، وليس فقط في المناطق الاجتماعية المقبولة كمكان للمرأة، واعتراف واحترام كمواطن متساوٍ وكيان إنساني مع الآخرين، والقوة تعنى مقدرة على المساهمة والمشاركة في كل المستويات الاجتماعية، وليست في مجرد المنـزل، والقوة تعنى أيضًا مشاركة المرأة مشاركة معترف بها وذات قيمة".(3)

مجالات الاستقواء (التمكين) النسوي:
وتعمل المنظمات الدولية والجمعيات النسوية على تطبيق مفهوم الاستقواء في المجالات التالية:
1-المجال الاقتصادي، حيث تعمل هذه المنظمات والمؤسسات على الاستقلال الاقتصادي للمرأة عن الرجل، وحتى تصبح قراراتها المادية بيدها، وتتمكن من الوصول إلى رؤوس الأموال وتأسيس مشاريعها الاقتصادية الخاصة.
"وتعتبر الحركات النسوية قوامة الرجل للأسرة عاملا رئيسا في فقر النساء، ومن ثم يستهدف الاستقواء (التمكين) الاقتصادي Economic Empowerment إلغاء تلك القوامة عن طريق التساوي المطلق في السلطة داخل الأسرة، ودفع النساء للعمل خارج المنزل لكسب المال، للوصول إلى رؤوس الأموال وتملك مشاريعها الخاصة، حتى تستقل عن الرجل اقتصاديا فتصبح متحكمة تماما في قراراتها!!.
ففي الدول العربية يتم اختيار القرى الفقيرة، حيث تركز برامج الاستقواء الاقتصادي والسياسي على المرأة فقط، بعيدا عن أسرتها، وبدلا من النهوض بمستوى الأسرة فيها بشكل عام عن طريق تشغيل الرجال لينفقوا عليها ويتحقق لها الاستقرار، يتم استهداف النساء فقط بقروض ومشروعات؛ بهدف تحقيق الاستقلال الاقتصادي لهن. وقد ورد في تقرير عن سوريا أنه: "تمَّ استهداف 159 قرية خلال عامي 2007-2008 من القرى الأشد فقرًا في كافة المحافظات السورية، من خلال تدريب النساء أثناء الحصول على القرض على كيفية تأسيس مشاريع خاصة بهنَّ، وقد تمَّ تدريب وإقراض 3114 مستفيدة حيث تمَّ تأسيس 3114 مشروعًا نسائيًّا".
حتى في حال الكلام عن إدماج المرأة في سوق العمل، نلحظ الإصرار على إقحام النساء في كل مجالات العمل، حتى تلك التي تناسب الرجال بشكل أكبر بدعوى تقليل الفجوة النوعية Gender Gap بين الرجل والمرأة! ونحن نتساءل: ما الضير في أن تكون هناك مجالات من العمل أكثر ملاءمة للمرأة، فتدخل فيها وأخرى أكثر ملاءمة للرجل فيتخصص فيها؟"(4)
2- المجال الاجتماعي: تعمل هذه المنظمات والمؤسسات النسوية على منح المرأة الحق في اختيار الدين والمعتقد والجسد والعمل والزواج والإنجاب، من دون مراعاة لحقوق زوج أو طفل أو عائلة. وفي هذا الإطار تعمل هذه المنظمات على تعديل القوانين التي ترى أنها تميز بين المرأة والرجل، مثل قوانين العقوبات المتعلقة بالإجهاض والزنا والعنف، وأيضا قوانين الأحوال الشخصية المتعلقة بالقوامة وبالإرث والطلاق وتعدد الزوجات والحضانة.
3- المجال السياسي: وتسعى المنظمات النسوية إلى مساعدة المرأة للوصول إلى مراكز السلطة وصنع القرار، بما فيها المشاركة في الأحزاب والنقابات والمنظمات الأهلية والبلديات والبرلمانات. والعمل على تعديل القوانين المحلية للدول حتى تتناسب مع الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية، من هذه التعديلات فرض نظام الكوتا السياسية، والتي يقصد بها رفع نسبة تمثيل المرأة في البرلمانات ومجالس الشورى إلى 30%.

أهداف برامج الاستقواء (التمكين):
يلاحظ في جميع برامج وفعاليات المنظمات النسوية انتهاج أسلوب ازدواجية الأهداف، حيث يتم الإعلان عن أهداف معلنة تسعى من خلالها إلى تقبل المجتمع لممارسات هذه المنظمات، بينما هي في حقيقة الأمر تهدف من أنشطتها  إلى أهداف أخرى غير معلنة ويتم من خلال الأولى المعلنة تمرير الثانية.
ومن أهدافه المعلنة: القضاء على تأنيث الفقر، والقضاء على العنف ضد المرأة، وتعليمها، والحد من وفيات الأمهات، والتخفيف من الأمراض والمشاكل الاجتماعية التي تطال النساء بالدرجة الأولى.
أما الأهداف غير المعلنة فهي عديدة، منها: علمنة المجتمعات، وإلغاء سلطة الدين من النفوس، وإخراج المرأة من بيتها، والتقليل من دورها في رعاية أسرتها وأبنائها، ورفض قوامة الرجل عليها. و تحديد النسل في بعض الدول النامية.
تقول الدكتورة نهى قاطرجي، المتخصصة في قضايا المرأة: "إن معرفة هذه الأهداف أمر مهم جدًا من أجل التصدي للمؤامرات التي يخوضها الغرب ضد أبناء الإسلام، والذي لا يتوانى عن استخدام كل الأسلحة الممكنة من أجل تحقيقها. علمًا بأن الغرب لا ينفي تدخله المعلن في حياة الشعوب، بل على العكس من ذلك فهو يتبجح بما يفعل، مدعيا أنه يسعى إلى حماية الحريات ونشر الديمقراطيات. مع أن الواقع يشير إلى فشله في تطبيق ما يدعو إليه داخل مجتمعاته. والنماذج التي يمكن سوقها هنا عديدة، منها: الفساد الأخلاقي المستشري في الدول الغربية، وإحجام النساء عن الزواج والإنجاب وتكوين الأسر، والعنف الممارس ضدهن في المنازل وفي أماكن العمل، وعكوف النساء عن الوصول إلى مراكز القرار. ولعل أكبر دليل على ذلك اعتراف الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأن النساء يشكلن 50 بالمئة من السكان في الولايات المتحدة لكن لديهن أقل من 17 بالمائة من مقاعد الكونجرس وأن أكثر من نصف طلاب الجامعات من الإناث يحصلن على راتب أقل من زملائهم الذكور. والغريب في هذا الأمر أنه مع إعلانه هذه الحقائق الموثقة بالأرقام، لا زال الرئيس الأميركي مصرًا على أن تمكين المرأة عالميًا ركيزة أساسية لسياسة إدارته الخارجية.
وأخيرًا:
لا بد من التشديد على ضرورة تعريف المسلمين بالمخططات الدولية التي تحاك ضدهم، وذلك حتى لا ينخدعوا بالشعارات الزائفة التي تحاول أسلمة المصطلحات الغربية حتى تتواءم مع ثقافة المجتمعات الإسلامية"(5).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات (الهوامش):
(1)     انظر مفهوم التمكين ومجالاته التداولية، فاطمة حافظ ، موقع أون إسلام، 11 أغسطس 2011.
(2)     دكتور محمد عمارة، مقدمة كتاب، حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر، تأليف مثنى أمين الكردستاني، دار القلم، القاهرة، 2004، ص 2، نقلا عن مفهوم مصطلح  تمكين المرأة (Women Empowerment) في منشأه، ورقة مقدمة في ورشة عمل دور المرأة في العمل الخيري والتطوعي ، كاميليا حلمي.
(3)     انظر موقع  لها أون لاين ، المرأة بين " الجندرة " و " التمكين "، رأفت صلاح الدين.
(4)     مفهوم مصطلح  تمكين المرأة (Women Empowerment) في منشأه ، ورقة مقدمة في ورشة عمل دور المرأة في العمل الخيري والتطوعي ، كاميليا حلمي، مرجع سابق.
(5)     تحديد النسل هو أهم هدف غير معلن ، د. نهى قاطرجي ، صحيفة المدينة ، الجمعة 20/05/2011.

JoomShaper