طارق السيد

تجتمع دول العالم في مقر الأمم المتحدة لحضور اجتماع لجنة وضع المرأة، في أكبر تجمع تشهده الأمم المتحدة على الإطلاق؛ يهدف لإنهاء العنف ضد النساء والفتيات.
وتعقد أعمال الدورة الحالية للجنة في المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك تحت شعار القضاء على جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات ومنع وقوعه، وتجتمع وفود من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة ومنظمات مجتمع مدني وغير حكومية وشخصيات بارزة للمشاركة في الاجتماعات السنوية التي تعقد تحت شعار منع ووقف جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات.
من جهتها قالت المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة ميشيل باشيليت في كلمتها: "حققنا خلال العقود الماضية تقدماً في مجال وضع المعايير والقواعد الدولية والقوانين والسياسات والبرامج الوطنية، ولكن العنف ضد النساء والفتيات ما زال منتشراً، وما زال الإفلات من العقاب سائداً، الآن يجب علينا التصدي لتحدي التطبيق والمساءلة، إن رسالتي هي: الآن هو وقت العمل".
وأشارت إلى المشاركة الواسعة من مختلف دول العالم في أعمال الدورة الـ57 للجنة، وقالت: إن عدد ممثلي المجتمع المدني الذين سجلوا أسماءهم للمشاركة في الدورة بلغ ستة آلاف ليتخطى الأعوام الماضية.
تعقد الدورة الحالية في الفترة 4-15 مارس 2013، وثيقة بعنوان: "إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات Elimination and prevention of all forms of violence against women and girls". وتعهدت ثماني عشرة حكومة بالمجيء إلى هذا التجمع التاريخي حاملة مبادرات جديدة".

المقصود بوقف العنف ضد المرأة:
دعا الإسلام إلى وقف العنف ضد المرأة، لكن هذا المصطلح في ضوء الاتفاقات الدولية وخاصة اتفاقية "القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) (CEDAW)"، يحمل مضامين تناقض أحكام الإسلام، ولا تقتصر على مجرد صورة العنف التي يرفضها الشرع، حيث يهدف هذا المصطلح إلى إزالة أي فوارق طبيعية بين الرجل والمرأة: في الأدوار، وفي التشريعات، وفي هذا الإطار  تعتبر الأمم المتحدة كل ما يلي عنفا ضد المرأة يتوجب القضاء عليه:
1- اختصاص المرأة بمهام الأمومة، واعتبارها أدوارا غير مدفوعة الأجر، تتسبب في إفقار المرأة داخل الأسرة، في مقابل إثراء الرجل نتيجة خروجه للعمل وتكسب المال.
2- اعتبار قوامة الرجل في الأسرة عنفا ضد المرأة.
3- الفوارق التي تقرها الشريعة الإسلامية بين الرجل والمرأة، من باب تكامل الأدوار بينهما، مثل: تشريعات الزواج، تشريعات الطلاق، التعدد، العدة، المهر، الميراث، وغيرها.
4- حق الزوج في معاشرة زوجته، حيث تَعُدُّ الأمم المتحدة العلاقة الشرعية بين الرجل والمرأة والمبنية على رغبة الرجل، مع انعدام الرضا الكامل من المرأة أو في أوقات لا تحلو لها، اغتصابا زوجيا Marital Rape، وإذا لمسها بدون رضاها يعد ذلك تحرشا جنسيا بها، وتدخل جميعها ضمن نطاق "العنف الجنسي" من منظور الأمم المتحدة.
5- القيود المفروضة على الحريات الجنسية للمرأة والفتاة، ورفض فكرة تحكم المرأة الكامل في جسدها، ومنع الفتاة من تغيير جنسها إذا شاءت (القوانين التي تعاقب على جريمة الزنا والشذوذ).
6- الولاية على الفتاة في الزواج.
7- عدم توفير وسائل منع الحمل للفتيات، وعدم السماح بالإجهاض كوسيلة للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه.
8- زواج الفتاة تحت سن الثامنة عشرة.
9- عدم إعطاء النسب الشرعي لأبناء الزنا (النسب للأب الزاني).
10- العنف في تشويه/بتر الأعضاء التناسلية للأنثى (ختان الإناث).

كما ستشمل اجتماعات الدورة الحالية مبادرات 18 دولة لإنهاء العنف ضد المرأة ، وتتضمن هذه المبادرات المطالبة بما يلي:
1- استبدال الشراكة بالقوامة، والاقتسام التام للأدوار داخل الأسرة بين الرجل والمرأة (الإنفاق + رعاية الأطفال+ الشؤون المنزلية).
2-التساوي التام في تشريعات الزواج (مثل إلغاء كل من: التعدد، والعدة، والولاية، والمهر، وإنفاق الرجل على الأسرة، والسماح للمسلمة بالزواج بغير المسلم وغيرها).
3- التساوي في الإرث.
4- سحب سلطة التطليق من الزوج، ونقلها للقضاء، واقتسام كافة الممتلكات بعد الطلاق.
5- إعطاء الزوجة سلطة أن تشتكي زوجها بتهمة: الاغتصاب، أو التحرش. وعلى الجهات المختصة توقيع عقوبة على ذلك الزوج مماثلة لعقوبة من يغتصب أو يتحرش بأجنبية.
6- منح الفتاة كل الحريات الجنسية، بالإضافة إلى حرية اختيار جنسها، وحرية اختيار جنس الشريك (أي أن تختار أن تكون علاقاتها الجنسية طبيعية أو شاذة)، مع رفع سن الزواج إلى الثامنة عشر.
7- توفير وسائل منع الحمل للمراهقات، وتدريبهن على استخدامها، مع إباحة الإجهاض للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه (تحت مسمى الحقوق الجنسية والإنجابية).
8- مساواة الزانية بالزوجة، ومساواة أبناء الزنا بالأبناء الشرعيين مساواة كاملة في كل الحقوق.
كما ستتم في تلك الجلسة، متابعة تطبيق الوثيقة الصادرة عن الجلسة (53) بعنوان: "التقاسم الكامل لكل الأدوار الرعائية بين الرجل والمرأة"، والتي ركزت على تقسيم كل المهام والمسؤوليات داخل البيت بين الرجل والمرأة (أدوار الرعاية والإنفاق) وهو ما يخل بمفهوم القوامة الذي يعد من أعمدته الرئيسة تولي الزوج مسؤولية الإنفاق بالكامل على الأسرة.
وأيضًا سيتم إصدار عدد من القرارات Resolutions بناء على مقترحات تقدمها بعض الدول، والتي عادة ما تدور حول المطالب نفسها، وعلى رأسها: (مساواة الجندر Gender Equality)، و(استقواء المرأة Women Empowerment)، خاصة تلك المقترحات التي تصدر عن أمريكا والدول الأوروبية واليابان وغيرها، وهي تحتاج أيضا إلى دراسة متأنية، حتى لا تتورط الحكومات في التوقيع عليها.
والأخطر مما سبق، الإلحاح الدائم من قبل الأمم المتحدة على الحكومات برفع التحفظات التي وضعتها عند التوقيع على الاتفاقيات، وهو ما يعد انتهاكًا لسيادة الدول، واحتقارًا لإرادة الشعوب. وأيضًا الإلحاح الشديد للتوقيع على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية سيداو، والذي يعطي للأمم المتحدة حق التدخل المباشر في الشؤون الداخلية وإحالة الحكومة إلى محكمة الجرائم الدولية (ICC)في حال وجود شكوى بسبب وجود قانون يفرق بين الرجل والمرأة (مثل الميراث والتعدد والولاية .....الخ)، والذي تعده الأمم المتحدة "قانونا تمييزيا Discriminatory Law". وبهذا تقف الأمم المتحدة، بهذه القوانين ضد الشريعة الإسلامية بوضوح.

أخطر ما تحمله هذه الاتفاقات:
تطرح هذه الاتفاقيات  نفسها  كبديل عن القوانين المحلية وناسخة لها،  فالمادة 2  من اتفاقية السيداو  تشكل "ببنودها حزمة أو منظومة تستدعى بعضها بعضًا، وتسلِّم بعضها إلى بعض، بل وتسد بعضها ثغرات بعض، وهو ما يجعلنا نطلق عليها: المادة – المنظومة". فهي تدعو إلى تعديل أو إلغاء القوانين المحلية واستبدالها بقوانين غير تمييزية. وهكذا تلغي الاتفاقية كافة المرجعيات التشريعية والدينية لتصبح هي المرجعية العليا.
أما المادة 29 في إحدى بنودها فهي  تنص على عرض الخلافات التي تنشأ من تفسير أو تطبيق هذه الاتفاقية على التحكيم أو على محكمة العدل الدولية في حالة عدم التوصل إلى اتفاق عبر التحكيم". وهذا الأمر يتعارض مع السيادة الوطنية وعدم تدخل أي طرف خارجي في الشؤون الداخلية للبلاد.

عولمة قضايا المرأة
شاع استخدام مصطلح العولمة بوجه خاص، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك الكتلة الاشتراكية، حيث شكَّل هذا الانهيار حافزاً قوياً للدول الغربية الرأسمالية للتمادي في فرض قيمها ومبادئها على العالم. ويظهر أن الهدف الأساسي لمخططي العولمة هو فرض النموذج الاجتماعي الغربي على العالم تكملة للنجاح في فرض النموذج السياسي والاقتصادي.
هذا وقد رفعت العولمة شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والدفاع عن المرأة، في برامجها التي سعت إلى نقلها إلى العالم. وكانت الأمم المتحدة بمؤتمراتها واتفاقياتها هي الستار الذي تستر وراءه الغرب من أجل فرض قيمه ومبادئه على العالم.
ومن أبرز القيم والمفاهيم التي تحاول الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها  اتفاقية السيداو فرضها مفهوم المساواة بين المرأة والرجل، رافضة بذلك وجود اختلافات بينهما، ومدعية أن أسباب هذه الفروقات تعود إلى أسباب تاريخية واجتماعية، وإن الفروقات البيولوجية والطبيعية الموجودة بين الرجل والمرأة (والتي يقرون بوجودها) هي فروقات اجتماعية خاضعة لمنطق التطور وليست طبيعية فطرية منذ بدء الخليقة، فالاختلاف بين الذكر والأنثى ليس شيئاً من صنع الله عز وجل، وإنما هو أمر ناجم عن التنشئة الاجتماعية والبيئية التي احتكرها الرجل عبر الزمن، فمفاهيم الزوج والزوجة والأبوة والأمومة مفاهيم ناتجة عن الواقع الثقافي والاجتماعي السائد، وهي نتاج تقاليد وتصورات خاطئة تحصر المرأة والرجل في أدوار نمطية.
إن محاولة ربط الاختلاف بين المرأة والرجل بالأساس الثقافي والاجتماعي هو تمهيد لتغيير الشكل الطبيعي للأسرة، مما يؤدي فيما بعد إلى تقبل فكرة أن يكون الرجل أماً، أو أن تكون الأسرة مكونة من رجلين أو امرأتين، من هنا نفهم التركيز الشديد في أدبيات الأمم المتحدة على ضرورة تغيير الأدوار النمطية للعلاقات بين الجنسين.

الحرب على الشرائع السماوية
يبرز الخطر الأكبر في الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية إلى إهمال دور الدين في حياة الفرد، وهذا الأمر يمكن ملاحظته في اتفاقية "القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة " في نواح عدة:
أ- الإهمال التام لذكر الله عز وجل: في محاولة للإيحاء بعدم وجود من يسيطر على الكون ويدبر أمره. وهذا الإهمال لا يقتصر على لفظ الجلالة فقط، بل يمتد إلى كل ما يتعلق بالدين من كلمات وتعابير.
ب- الحرب على جميع التشريعات الدينية: دعت الاتفاقية الحكومات إلى عدم وضع الاعتبارات الدينية والتقليدية موضع التنفيذ، وذلك كخطوة أولى قبل فرض العمل على استبدالها بالقوانين الدولية، ومن التشريعات الدينية  التي دعت الاتفافية إلى تعديلها أو إلغائها،  قانون الأحوال الشخصية الذي يرسخ ويقنن، بنظرهم، تبعية المرأة للرجل في مسائل الزواج والطلاق والسفر والإرث. وغير ذلك من الأمور التي تقف حائلاً في طريق تحقيق المساواة المزعومة.
ج - تشريع الزنا وإباحته.
لا تعتبر اتفاقية التمييز الزنا أمراً مشيناً على المرأة، إلا في حالة حصل الأمر بالإكراه، أما إذا حصل الأمر برضى الطرفين، فهو حق مشروع ومطالب به لتعلقه بالحرية الشخصية للأفراد، والتي تحرص مثل هذه الاتفاقيات على حمايتها من جهة، ولكونه يساعد على منع الزواج المبكر الذي تدعو الاتفاقية إلى تجنبه من جهة أخرى.
ويظهر دعم الاتفاقية للزنا بدفاعها عن حقوق المراهقين الجنسية، وما يتعلق بها من حرية في الممارسة دون رقابة الأهل، وبحقهم في الحصول على المعلومات والخدمات التي تساعدهم على فهم حياتهم الجنسية، وحمايتهم من حالات الحمل غير المرغوب بها، ومن الأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي، ومن خطر العقم بعد ذلك.
د-إباحة الإجهاض
يتحاشى برنامج هيئة الأمم المتحدة النص على إباحة الإجهاض بصراحة، بيد أن المدقق يشتم رائحة هذه الإباحة في مواطن كثيرة من البرنامج، مثل تلك العبارة التي وردت في الفقرة السابقة، والتي تدعو إلى معالجة قضايا المراهقين المتصلة بالصحة الجنسية والتناسلية بما في ذلك الحمل غير المرغوب به.
إن هذا الاتجاه مناقض لأبسط مبادئ الإنسانية التي تدعي هذه البرامج أنها تحميها والتي منها حماية حق الإنسان في الحياة، فبأي منطق يسمح الإنسان تحت شعار الحرية الجنسية بحرية قتل روح إنسان يتمتع بالحقوق كما يتمتع غيره؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:
-         بيان اتحاد علماء المسلمين حول وثيقة العنف ضد المرأة بالجلسة (57) للجنة المرأة بالأمم المتحدة.
-   قراءة إسلامية في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( CEDAW) دراسة حالة لبنان، د. نهى القاطرجي.
- مركز أنباء الأمم المتحدة.

JoomShaper