مي عباس
انطلاقًا من العولمة التي شملت الأفكار وطغت على الثقافات، والتي تسعى بلا خجل أو روية لإلغاء الخصوصيات ومحو هويات الشعوب، تعمل الأمم المتحدة منذ عقود على فرض الرؤى الغربية على العالم وبخاصة فيما يتعلق بالمرأة..
ترفع الأمم المتحدة شعارات براقة، ودعاوى كثيرة عن حماية المرأة، والدفاع عن حقوقها، وتمكينها وإتاحة فرص النجاح لها.. والاعتراض ليس على المسميات والعناوين، وإنما على المعاني والآليات فالشيطان يكمن في التفاصيل.
وبالنسبة للجنة المرأة في الأمم المتحدة فإن العقبة الكؤود تبقى هي العالم الإسلامي، الذي يحمل في نظرهم جبالا من ظلم المرأة وهضم حقوقها، فهم يسوقون له عبر الاتفاقيات والضغط على الحكومات والأذرع التنظيمية الرسمية وغير الرسمية، والإلحاح الإعلامي، وتلميع نماذج نسائية ضحلة، يسوقون له القالب الغربي لتحرير المرأة مع ما فيه من عذابات لا تنكر لها، وتحطيم للأسرة، وانهيار أخلاقي أظهر من التدليل عليه.
إنكار الواقع يزيد الأزمة تعقيدًا
وأزمة العالم الإسلامي لا تقتصر على الرضوخ للضغط الأممي، وهشاشة الهوية، وغياب المفاهيم، ولكن الأزمة تمتد إلى الفاهمين والمصلحين أيضًا حيث تقتصر مواقفهم – في أغلب الأحيان- على النقد دون تقديم البديل، ويسرفون في بعض الأحيان في ذم الطرح الأممي ويبالغون في الإنكار.. وكأن تقديم الصورة المهترئة للمجتمع الغربي تعفي المجتمعات الإسلامية من تشخيص أمراضها والمسارعة في العلاج.
إن إنكار الظلم الاجتماعي الذي يطال المرأة في البلاد الإسلامية بفعل الجهل والبعد عن الإسلام، لا يزيد الأزمة إلا تعقيدًا، فالمنطلقات الإسلامية للتعامل مع النساء، والثوابت الكبرى مثل "النساء شقائق الرجال"، و"استوصوا بالنساء خيرًا".. يجب أن تُفعَّل بما هو أكثر من الدعوة والإرشاد، وأن تقدم ضمن اتفاقيات بديلة، وتبنى عليها مؤسسات عملية، لا تلجأ أبدًا إلى تجميل واقع مشوه.. حتى لا يدفع آلاف النساء إلى الاستسماك بالقشة التي تقدمها لهم الاتفاقيات والمنظمات المشبوهة في ظل واع اجتماعي مزري.
عمل دؤوب
الاجتماع الأخير للجنة المرأة بالأمم المتحدة "الجلسة 57" لم يكن مفاجئًا، فهو اجتماع سنوي، لمراقبة وتقييم العمل، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات وعلى رأسها: السيداو.
أما ما صدر عن الجلسة "وثيقة القضاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات"، فهي نتيجة لاجتماع الخبراء في تايلاند عام 2010، والتي أسفرت عن توصية بعنوان خطة التنفيذ العالمي لـ "إنهاء العنف ضد النساء والفتيات" ووضع برنامج لتنفيذها مدته 4 سنوات تنتهي عام 2014.
ويشار إلى أن الخبراء الثمانية كان من بينهم امرأة صومالية المولد، وتدعى هيباق عثمان"، وهي وتعيش في القاهرة منذ عام 2005، وتقود 3 منظمات غير حكومية في المنطقة لتنفيذ خطط الأمم المتحدة.
إنه عمل دؤوب مؤسسي، لا يركز على الأفكار وحدها، وإنما يسعى لخلق أوضاع جديدة، ولا تزال هذه الوثائق والاتفاقيات غير ملزمة للحكومات، ولكنهم يسعون عبر وسائل عديدة لجعلها ملزمة، وعلى العالم الإسلامي الذي يعتز بحضارته، ويؤمن بعدالة وسمو مبادئه ألا ينهزم أمام ضغط العولمة الثقافية، كما يتعين عليه أن يبادر لعلاج أمراضه، ومواجهة أزماته الاجتماعية، وتفعيل رؤيته على أرض الواقع، حتى لا يصبح النقد – والذي كثيرًا ما يفهم خطئا- هو العمل الوحيد للمصلحين لأنه حقًا لا يكفي.
المرأة المسلمة بين الاتفاقيات الأممية وأمراض المجتمع
- التفاصيل