سحر شعير
يرتبط وقت الحيض عند المرأة المسلمة بالقعود عن عبادات كبرى، مثل: الصلاة والصيام والطواف بالبيت إجماعاً، وقراءة القرآن لفظاً ومس المصحف أو حمله، ودخول المسجد- على خلاف بين أهل العلم- ، فيثير ذلك في نفسها حزناً واغتماماً لانقطاعها عن هذه العبادات، وشعوراً بأنها معطّلة ومنعزلة عن كل خير، ويزداد هذا الشعور إذا اعتراها الحيض في الأيام الفاضلة مثل شهر رمضان المعظم، حتى تلجأ بعض النساء إلى منع نزول الحيض في هذه الأيام بتناول العقاقير والأدوية، وقد يسبب لها ذلك أضراراً يطول علاجها.
وقد يترتب على هذا الشعور مخالفات شرعية، مثل: ردّ الرخصة بالفطر في رمضان، وإصرار بعض النساء على الامتناع عن الطعام والشراب نهاراً، أو ذهابهن إلى المصلى والجلوس فيه استماعاً لقراءة الإمام أثناء صلاة القيام ليلاً..! بينما تغفل الكثيرات منهن عن الإقبال على العبادات الأخرى المباحة مثل: الذكر والدعاء وجميع أبواب الخير وصنائع المعروف! لذلك كانت لنا هذه الوقفات نهديها لكل امرأة مسلمة، حتى تتسع الرؤية ويحسن الفهم، ويختفي توتر الأعصاب الذي يحل بالمسلمات لهذا السبب كل رمضا
- حكمة الله تعالى في خلق الحيض:
لحظات هادئة من التأمل والتفكر، تدرك بها المرأة المسلمة أن الله تعالى جعل وجود الحيض وتكراره مرتبط بأشرف الأعمال التي هيأها الله تعالى لها، وهى إنجاب الأنفس المؤمنة، وتكثير عدد الموحدين، ومع تكرار الحيض كل شهر يتجدد لها الأجر من الله تعالى ما دامت راضية بالهيئة التي فطرها الله تعالى عليها، وسواء أراد الله لها الحمل أو لم يرد لها ذلك، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما يُصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه" - رواه البخاري برقم ( 5318 ) - واللفظ له - ومسلم برقم ( 2572 ).
كما أنّ الحيض الطبيعي المنتظم نعمة عظيمة من نعم الله على المرأة؛ لأنه من علامات الصحة والعافية وتمام الخصوبة، يقول ابن سينا في القانون: (واحتباس الطمث يورث أورام الرحم، وأمراض المعدة وسقوط الشهوة وفسادها، والغثيان، والعطش الشديد، وقد يعرض لذلك أمراض الكبد، وعسر البول، وأوجاع الظهر، وثقل البدن، وتصاب بالكآبة و يكثر شعرها وينبت لها كاللحية ويخشن صوتها ويغلظّ).
فحيض الأنثى لا يمثل أبداً عقاباً لها على ذنب اقترفته، وإنما هو عملية فسيولوجية متعلقة بنمو الجهاز التناسلي للمرأة، واستعداده لأداء مهمته الطبيعية في الإنجاب والتناسل. (عاطف أبو العيد: عواصف المراهقة كيف تعبرها إلى شاطيء الأمان، ص:60- بتصرف)
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كلام نفيس في هذه المسألة قال رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (25/234): "فَنَذْكُرُ حِكْمَةَ الْحَيْضِ وَجَرَيَانَ ذَلِكَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ فَنَقُولُ: "إنَّ الشَّرْعَ جَاءَ بِالْعَدْلِ فِي كُلِّ شَيْء. وَالإِسْرَافُ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ الْجَوْرِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ وَأَمَرَ بِالاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَاتِ; وَلِهَذَا أَمَرَ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ وَنَهَى عَنْ الْوِصَالِ وَقَالَ: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ وَأَعْدَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ داود عليه السلام كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلا يَفِرُّ إذَا لاقَى)(رواه مسلم)، فَالْعَدْلُ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ أَكْبَرِ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) المائدة/87. فَجَعَلَ تَحْرِيمَ الْحَلالِ مِنْ الاعْتِدَاءِ الْمُخَالِفِ لِلْعَدْلِ وَقَالَ تَعَالَى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ)النساء161، فَلَمَّا كَانُوا ظَالِمِينَ عُوقِبُوا بِأَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الطَّيِّبَاتُ; بِخِلَافِ الأُمَّةِ الْوَسَطِ الْعَدْلِ فَإِنَّهُ أَحَلَّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالصَّائِمُ قَدْ نُهِيَ عَنْ أَخْذِ مَا يُقَوِّيهِ وَيُغَذِّيهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، ونُهِيَ عَنْ إخْرَاجِ مَا يُضْعِفُهُ وَيُخْرِجُ مَادَّتَهُ الَّتِي بِهَا يَتَغَذَّى وَإِلا فَإِذَا مُكِّنَ مِنْ هَذَا ضَرَّهُ وَكَانَ مُتَعَدِّيًا فِي عِبَادَتِهِ لا عَادِلا . . .
وَالْخَارِجَاتُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَخْرُجُ لا يَقْدِرُ عَلَى الاحْتِرَازِ مِنْهُ أَوْ عَلَى وَجْهٍ لا يَضُرُّهُ فَهَذَا لا يُمْنَعُ مِنْهُ كَالأَخْبَثَيْنِ (البول والغائط) فَإِنَّ خُرُوجَهُمَا لا يَضُرُّهُ وَلا يُمْكِنُهُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ أَيْضًا. وَلَوْ اسْتَدْعَى خُرُوجَهُمَا فَإِنَّ خُرُوجَهُمَا لا يَضُرُّهُ بَلْ يَنْفَعُهُ.
وَكَذَلِكَ إذَا ذَرَعَهُ الْقَيْءُ (أي غلبه) لا يُمْكِنُهُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الاحْتِلامُ فِي الْمَنَامِ لا يُمْكِنُهُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ ،. . وَالدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ بِالْحَيْضِ فِيهِ خُرُوجُ الدَّمِ، وَالْحَائِضُ يُمْكِنُهَا أَنْ تَصُومَ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الدَّمِ فِي حَالٍ لا يَخْرُجُ فِيهَا دَمُهَا، فَكَانَ صَوْمُهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ صَوْمًا مُعْتَدِلا لا يَخْرُجُ فِيهِ الدَّمُ الَّذِي يُقَوِّي الْبَدَنَ الَّذِي هُوَ مَادَّتُهُ وَصَوْمُهَا فِي الْحَيْضِ يُوجِبُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ دَمُهَا الَّذِي هُوَ مَادَّتُهَا وَيُوجِبُ نُقْصَانَ بَدَنِهَا وَضِعْفَهَا وَخُرُوجَ صَوْمِهَا عَنْ الاعْتِدَالِ فَأُمِرَتْ أَنْ تَصُومَ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْحَيْضِ"اهـ.
- قبول الرخصة إحياءً ليسر الإسلام:
ولما كان الحيض يترتب عليه آلام وتعب يصيب المرأة، فضلاً عن الضعف المركب في خلقتها، اقتضت رحمة الله تعالى بعباده أن يخفف عنها من التكاليف العبادية، عذراً لها ورحمة بها في الوقت نفسه، فعليها أن تأتي الرخصة تعبداً لله تعالى بما شرعه حال العذر، ومعرفة لأسمائه "البر، والرحيم، واللطيف، والحنان، والودود"، وقناعةً بأن هذه الخلقة التي فطرها الله عليها هي أحسن تقويم، كما أقسم عزّ وجلّ في كتابه العزيز على ذلك، قال تعالى: "وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" – سورة التين:4:1-
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه"رواه أحمد وصححه الشيخ شاكر، والرخص كما عرفها "الشاطبي" – رحمه الله -: "هي ما شرع لعذر شاق، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه" انتهى - الموافقات" (1/466)-
يقول الإمام الغزالي رحمه الله: (– جاء الحديث - تطييبا لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس والقنوط فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدرجات، فما أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا رحمة للعالمين كلهم عليه اختلاف أصنافهم ودرجاتهم" انتهى. - "إحياء علوم الدين " (4/278)-
فمثلاً عبادة قيام الليل والتي جعلها الله تعالى هي شرف المؤمن، ومدح أهلها حيث قال عزّ وجلّ: "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" سورة الذاريات، فإذا سقطت عنكِ الصلاة، فماذا يمنعك من الجلوس للاستغفار بالأسحار؟
- لا بأس بالحزن في هذا الموطن ما لم يكن تسخطاً، فأمنّا عائشة رضي الله عنها حزنت لما أصابها الحيض في حجة الوداع، فقد روى الإمام البخارى رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجنا مهلّين بالحج في أشهر الحج وحُرُمِ الحج، فنزلنا بسرف، فقال النبي صلى الله عليه و سلم لأصحابه: من لم يكن معه هَدْى فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدى فلا. وكان مع النبي صلى الله عليه و سلم ورجال من أصحابه ذوى قوة الهدى فلم تكن لهم عمرة. فدخل على النبي صلى الله عليه و سلم وأنا أبكى، فقال: "ما يبكيك؟ قلت: لا أصلى. قال: "فلا يضرك، أنت من بنات آدم، كتب عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجتك، عسى الله أن يرزقكها". قالت: فكنت حتى نفرنا من منى فنزلنا المحصب، فدعا عبد الرحمن- يعني بن أبى بكر- فقال: اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة، ثم افرغا من طوافكما، أنتظركما ها هنا. فأتينا في جوف الليل، فقال: فرغتما؟ قلت: نعم. فنادي بالرحيل في أصحابه، فارتحل بالناس، ومن طاف بالبيت قبل صلاة الصبح، ثم خرج موجهاً إلى المدينة".
ففي قولها: "فدخل عليّ النبيّ صلى الله عليه و سلم وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لا أصلي." : بيان أن حزنها وبكائها إنما كان لعدم تمكنها من أداء العمرة، ولم يؤنبها النبي صلى الله عليه وسلم على هذا البكاء والحزن، ولكن أخذ يخفف عنهاً، مذكّراً لها بأن الحيض أمر قدري كتبه الله على بنات آدم، وكأنه يحثها على الرضا والتسليم قائلاً: "فلا يضرك، أنت من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن" يعنى أن ذلك أمر ليس لك فيه يد، ولم تقعدي عن العمرة لتقصير منك وإنما هو أمر قد كتبه الله تعالى على النساء وأنت واحدة منهن، فاستمري في حجتك، ولعل الله يرزقكِ العمرة". وهذا ما حدث بالفعل.
- الإقبال على صنوف العبادات الأخرى:
فهناك أبواب عظيمة للعبادة، وتحصيل الأجر أباحها الشرع للحائض، يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى- : "وأما الذكر والتكبير والتسبيح والتحميد، والتسمية على الأكل وغيره، وقراءة الحديث والفقه والدعاء والتأمين عليه واستماع القرآن، فلا يحرم عليها شيء من ذلك، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكيء في حجر عائشة رضي الله عنها وهي حائض فيقرأ القرآن." ا.هـ.
وأخيراً: أختي المسلمة الحبيبة، التي فهمت عن الله تعالى مراده، وعظّمت شريعته الكاملة المطهَّرة،
إذا اعتراك الحيض فلتمتلىء نفسك بالرضا والتسليم، ولتنهلي من سائر أبواب الطاعات المفتوحة أمامك ليل نهار، ولتزدادى يقيناً أن الله تعالى لم يضع عنك الصلاة والصيام في تلك الأيام إلا رحمة بكِ وتخفيفاً عنك، وترك لكِ أبواب الذكر والعبادات الأخرى مفتوحة ليل نهار. فنسأله سبحانه أن يرحمنا في الدنيا والآخرة ويتقبلنا في عباده الصالحين.
أحزان الحائض في رمضان.. رؤية شرعية
- التفاصيل