ربى الرياحي

عمان- البعض ممن يعيشون بيننا يعجزون تماما عن الفصل بين صدماتهم الحياتية، وذلك المسار الاعتيادي اليومي المفروض عليهم، والذي يحتاج منهم إلى أن يكونوا أكثر وعيا وصلابة.
يفقدون السيطرة على مشاعرهم التي تبقى أسيرة ضعفهم وتخوفهم وعدم قدرتهم على التعامل باتزان مع تلك الأحداث الحياتية المفاجئة التي تستنزفهم نفسيا واجتماعيا وتبعدهم في أكثر الأحيان عن واقعهم، وحتى عمن يحبون فقط لكونهم قرروا بدون رغبة منهم أن يتعايشوا مع هزائمهم للآخر أن ينغمسوا بها وبتلك السلبية الناتجة عنها حتما.
ليس لأنهم يستمتعون بتعذيب أنفسهم، بل سبب ذلك على الأغلب يأتي من كون قدراتهم في التحمل محدودة، وإحساسهم بأنه لا بد لهم أن يعيشوا خيباتهم كاملة بتفاصيلها حتى النهاية. هم يحتاجون فقط إلى حصر خسائرهم هناك على الجانب الآخر من الحياة حتى لا يضطروا لتعطيل إمكاناتهم وإغلاق ذلك المسار الذي ينتمون إليه بكل ما لديهم من إنجازات تم تحقيقها أو ربما ما تزال قيد الانتظار.

يمتلكون كل الدوافع ليشرعوا في البحث عن لحظة يعيدون فيها ترتيب حياتهم مع تأكيد مبدأ الفصل الذي يمكنهم من أن يكونوا حياديين بتعاملهم مع كل ما قد يحدث معهم من تفاصيل ومجريات من شأنها أن تترك أثرا في نفوسهم.
فرصتهم في أن يعيشوا التوازن تكمن غالبا في قدرتهم على ضبط مشاعرهم ومن ثم الاستعداد لفهم كل جانب من جوانب الحياة على حدة بدون أدنى محاولة لخلط الأوراق باعتبار ذلك سيشتتهم فكريا وسيحول بينهم وبين طموحهم الذي قد يقررون التخلي عنه فقط لمجرد أنهم خسروا واضطروا لعبور ذلك النفق المعتم.
خروجهم من هذا المأزق الحقيقي يتطلب حتما منهم أن يواجهوا واقعهم كما هو بعيدا عن المبالغة التي ترهقهم وتحرمهم من أن يتصالحوا مع أزماتهم ويتعلموا منها ما يقويهم ويجعلهم أكثر تحملا للمصاعب التي قد تعصف بهم بين الحين والآخر.
هم أمام كل تلك الأسئلة التي تباغتهم والتي أيضا تلزمهم بإجابات منطقية، يميلون للخيار الوحيد الذي من شأنه أن يريحهم بعض الشيء ويمنحهم القدرة على الاستمرار وعدم الاستسلام لقسوة الحياة وما قد تتركه في دواخلهم من ألم وحزن وخوف أحيانا.
قوتهم على أن يخلقوا حالة من الاتزان النفسي والعاطفي تدفعهم إلى ضبط مشاعرهم والتحكم بها من خلال إعطاء كل جانب من جوانب الحياة ما يستحقه من الاهتمام والأحاسيس بدون أن يطغى أحدهم على الآخر. شروعهم في ترتيب أولوياتهم من الأهم إلى المهم يقلص حتما من حجم أعبائهم ويساعدهم كثيرا في فهم احتياجاتهم بصورة أدق قابلة للفرز والتحليل والاستنتاجات التي من الممكن جدا أن تختصر عليهم بعض الخطوات المربكة ربما لكونهم فقط يرغبون في أن يلمسوا تلك الحدود المليئة بالشغف لكل اللحظات التي قد لا تتكرر أبدا.
تقديسهم لمشاعرهم وإيمانهم المطلق بأفكارهم التي تحثهم على أن يتواءموا مع الظروف الطارئة هو قرار صعب بالتأكيد، لكنه أيضا في المقابل يقربهم أكثر من الواقع ويسمح لهم بأن يعيشوا الحياة بمتناقضاتها وبذلك الدفء الذي يبحثون عنه والذي من شأنه أن يضفي عليهم شيئا من الطمأنينة والسعادة التي لطالما سعوا إليها.

JoomShaper