عبدالرحمن النجار
قال مارك لويس في مقال له على موقع «الجارديان» إنه لا دليل على ما يعرف في مجتمع الطب «باضطراب إدمان الألعاب»، وأن ألعاب الفيديو قد يكون لها بعض الفوائد.
وأوضح لويس أنه لا يتجادل مع أطفاله كثيرًا. فأطفاله يتحلون بالخلق الحسن وروح التعاون. لكنهم مؤخرًا أشعلا غضبه. إذ دخل معهما في شجار مطول بسبب رغبته في اصطحابهما إلى متجر الأحذية، بينما يجلسان هما متسمران في مكانهما أمام جهاز بلاي ستيشن.
بالطبع يمكن إدمان ألعاب الفيديو، هذا ما يدركه الكبار. وبالتالي فإن حقيقة أن منظمة الصحة العالمية أضافت تشخيص «اضطراب الألعاب» للتصنيف الدولي للأمراض «ICD»، بجانب اضطرابات تعاطي المخدرات والمقامرة المرضية، ليست صدمة كبيرة. لكن هل الإدمان على ألعاب الفيديو إدمان «حقيقي»؟ يتساءل لويس. وهل الهوس بلعبة فورتنايت سيئ مثل إدمان

الكحوليات؟
أشار الخبراء إلى أوجه التشابه بين الإدمان السلوكي، مثل القمار، وإدمان المواد المخدرة، مثل المخدرات والخمور، لسنوات، وقد دعمت نتائج البحوث فرضياتهم. يعرف كلاهما بنشاط تجد صعوبة في التوقف عنه على الرغم من حقيقة أنه يدمر حياتك – يضيف لويس. كلاهما يتطابق مع الاختلافات في بنية الدماغ والوظيفة التي تبدو متشابهة بشكل ملحوظ. إن الأشخاص «سواء كانوا أطفالاً أو بالغين» الأكثر عرضة لأي نوع منهما مندفعون ويتسمون بضعف القدرة على اتخاذ القرارات والسيطرة الإدراكية. ومن المرجح أن يكونوا قد عانوا من مشكلات نفسية مثل الاكتئاب والقلق، التي تنتج عادة من تجارب الطفولة مثل إهمال الوالدين أو سوء المعاملة.
لكن ممارسة ألعاب الفيديو نادرًا ما تسبب الإدمان – يستدرك لويس – وهذا يجعلها مختلفة تمامًا عن القمار أو الأكل بنهم. يقدر الخبراء أن إدمان ألعاب الفيديو لا يزيد عن 0.5% من عامة السكان ويقل عن 1% بين اللاعبين البالغين. بالنسبة لهذه الشريحة من الناس، فقد ينطبق عليهم وصف «الإدمان». ولكن يمكن أن يدمن الناس أي شيء جذاب أو ممتع، بما في ذلك التسوق والرياضة. لذا هل من المفيد اختراع «اضطراب» لهذه الهامش الضئيل؟ ألا يمكن أن يسبب ذلك ضررًا أكثر من النفع؟ يتساءل لويس.
لعبة Fortnite أسرت قلوب المراهقين مؤخرًا
لا تقتصر أضرار «اضطراب الألعاب عبر الإنترنت» على الصحة أو النشاط الاجتماعي أو الجسدي فقط – يضيف لويس – لكن الباحثين والعلماء يحذرون من مخاطر شيطنة منفذ سلوكي طبيعي. في الصين، يتم إلحاق المراهقين بمخيم إذا ما أمضوا وقتًا على الإنترنت أكثر مما يُعتبر مناسبًا. ولكن قد ينشأ الخطر بسبب ابتكارنا «مرضًا عقليًا» لم يكن موجودًا من قبل.
هذا لا يعني أننا يجب ألا نشعر بالقلق. كان الهيروين يعتبر تطورًا على الأفيون. ويُعدّ السكوتش تحسُّنًا كبيرًا على المشروبات الكحولية القديمة. لكن ألعاب الفيديو تعكس التطور التكنولوجي على نطاق غير مسبوق. فقد تزيد جاذبيتها بشكل كبير، وما نراه اليوم قد يكون بداية عصر جديد من التقدم. في الواقع، إن جاذبية ألعاب الفيديو تعزى إلى تألق المصممين وتقنياتهم المذهلة أكثر من أي شيء آخر. لا توجد هيئة تنظيمية للسيطرة على الإدمان على المنتجات التجارية، إلا إذا كانت خمرًا أو مخدرات. لذا فإن اللاعبين الصغار والكبار تحت رحمة الشركات العملاقة المدفوعة أساسًا بالربح. وهم يتحركون بسرعة.
لكن ألعاب الفيديو لها فوائد فريدة من نوعها، وكذلك مخاطر محتملة. تجلب ألعاب الفيديو المتعة. ويمكن أن تكون جيدة بالنسبة لك. أظهرت العشرات من الدراسات الترابط بين استخدام ألعاب الفيديو وتحسن قدرة المعالجة المكانية، وتعدد المهام، والتحكم في الذات، والمثابرة. واتضح أن ألعاب FPS أو الألعاب من منظور الشخص الأول – تزيد من القدرة المعرفية. ويؤكد لويس أن ألعاب الفيديو تحسن من السيطرة على النفس والمهارات الاجتماعية. يلعب أطفال اليوم ألعابًا مع أطفال آخرين، الذين قد يكونون أصدقاء من المدرسة أو غرباء من جميع أنحاء العالم، أناسًا لا يعرفون أسماءهم الحقيقية أبدًا ولكنهم يتعلمون الاهتمام والثقة بهم. وأخيرًا، تكشف الأبحاث الحديثة عن تأثير جولديلوكس. فقضاء من ساعة إلى ساعتين أمام الشاشة يوميًا مثالي لصحة المراهقين.
هناك اتجاه جديد في أبحاث الألعاب هو استخدام الجاذبية المتأصلة للألعاب – الشيء الذي يجعلها جذابة للغاية – للمساعدة في تحسين الصحة العقلية للأطفال. يطور معهد Playnice الألعاب التي تكون فعالة في علاج القلق لدى الأطفال، وهي المشكلة النفسية الأكثر خطورة التي تواجه الأسر الأمريكية. وبدلاً من محاولة جرّ الأطفال المصابين بالقلق أو الاكتئاب إلى الطبيب مرة واحدة في الأسبوع – وهي استراتيجية فرص نجاحها محدودة – يجتمع الباحثون النفسيون مع مصممي الألعاب لتهيئة بيئات اللعب لمساعدة الأطفال الذين يعانون من القلق على التحكم في عواطفهم وبناء الثقة في النفس.
عشرات الألعاب تصدر سنويًا بمليارات الدولارات
ويشدد لويس على أن جاذبية الألعاب سلاح ذو حدين. سيكون أطفالنا على ما يرام إذا تحكمنا في مدة اللعب. أما الأطفال غير الخاضعين للرقابة، فلن يصبحوا «مدمنين» حتى يُتركوا لوحدهم في المنزل. يحكي لويس قصة شاب أهدر كامل مسيرته الجامعية في جهوده الرامية إلى قيادة الفيلق الروماني إلى النصر على البرابرة. هناك ثقافة ألعاب تنمو بسرعة بين المراهقين، وهي تتجاوز تفهم أو تحكم الوالدين. لا يقتصر الأمر على انكباب الأطفال على اللعب فقط، بل إنهم يتابعون أيضًا مجتمعات «يوتيوب» التي تتداخل مع هوياتهم ذاتها، التي تقيس الجدارة من حيث الانتصارات، والقتل، والمستويات. هذه الأشياء تجعل الحياة أكثر إثارة من الانتقال من المنزل إلى المدرسة إلى الدروس الرياضية والموسيقية. لا نعرف حتى الآن ما إذا كان ذلك جيدًا أو سيئًا لأطفالنا – يشير لويس. ولكن ما نعرفه هو أنها منافسة لن نربحها بسهولة.
ليس من السهل تحديد مقدار معين من الألعاب على أنه إدمان، ومن المستبعد أن يساعد التصنيف التشخيصي الجديد في ذلك. ترغب منظمة الصحة العالمية في تمكين الأطباء وشركات التأمين من تحديد من هم المدمنون، بناءً على نفس المقاييس المعقدة التي استخدموها لسنوات: ما لا يقل عن 12 شهرًا من السلوك «المستمر أو المتكرر». لكن لويس يقول إن هذا المعيار لم يثبت النجاح في السابق، ويشكك في نجاحه الآن.
يمكن أن تساعدنا تصنيفات الطب النفسي في تحديد المشاكل النفسية ودفعنا إلى الاهتمام بها. إن ألعاب الفيديو ذات تأثير قوي ويمكنها تغيير سلوك الأشخاص. ولكن من أجل تحديد ما إذا كانت تسبب الإدمان أم لا، علينا أن نتعمق أكثر – لنسأل ما الذي يفتقده الناس ويجعلهم يتابعون شيئًا قهريًا للغاية. وهذا أكثر تعقيدًا.

JoomShaper