مها محمد
العمل التطوعي في الأساس هو صورة من صور الرفاهية الروحية، وما يسد الكثير من القصور والضعف والثغرات في نواحي الحياة المتعددة. في سن الشباب، يفتح التطوع آفاقاً واسعة من التجارب والخبرات لمنتسبيه، مع ما يوفره من فرص عمل أفضل، وحياة نفسية سليمة. أما الكبار والمتقاعدون، فيُعتبر العمل التطوعي ميداناً مثمراً لهم لتحقيق إنجازات دائمة أو شبه دائمة، مستمدة من ثبات ووعي وخبرات هؤلاء الأفراد. وفي كل الأحوال، يعود العمل التطوعي على الجميع بالخير؛ لذلك كان العمل الخيري أو التطوعي من دعائم الدين الحنيف.

في الغرب، من أهم مظاهر التحضر ازدهار العمل التطوعي، وشدة الأخذ والاهتمام به؛ حتى أصبح ثقافة أصيلة تنشأ الأجيال عليها وتتربى. وما كان ذلك إلا للنتائج الرائعة التي حصدها العمل التطوعي في تلك المجتمعات من خلال مؤسسات تطوعية ذات أعمال منظمة ومتخصصة ومجتمع واعٍ.
الأعمال التطوعية الإغاثية تميزت بها قطر، وتصدرت بها العالم. ومن الرائع أن النظام التعليمي في قطر يشترط حصول الطالب على عدد من ساعات التطوع في بعض مؤسسات الدولة والجهات الخيرية المحددة قبل تخرّجه في الثانوية، لكن ما ينقص هذه الخطوة هو جعلها فاعلة وحقيقية؛ حيث لا يوجد تنظيم حقيقي وموجّه يرسّخ ثقافة العمل التطوعي، بل إن الأمر يغشاه كثير من الفوضى والمجاملات، وينتهي في حالات كثيرة إلى مجرد استمارة تُملأ وتُوقّع دون أن يقوم الطالب بأي عمل.
في الغرب، كثير من المؤسسات التطوعية قد تنشأ من موقف ما؛ تحقيق أمنية طفل مصاب بالسرطان، خلل في النظام المروري، انتحار طالب.. وهكذا يمسك المجتمع الذي تربى على ثقافة العمل التطوعي زمام هذا الأمر، ويتعامل معه بتلقائية لا نستغرب معها أن تسجل أميركا مثلاً 20 مليار ساعة تطوعية سنوياً.
ما أردت إيصاله من خلال هذا المقال، أن الأعمال التطوعية يجب أن تتحول إلى ثقافة أولاً يتربى عليها الأفراد، خاصة مع غلبة الأنانية والفردية على صفات هذا الجيل وسماته.
ثانياً يجب أن يكون أكثر تنظيماً وتخصصاً، ولا يقتصر على مجهودات الإغاثة والمشاركة في الفعاليات، مع استثمار الطاقات البشرية المتفرغة من العمل والراغبة في إدارة العمل التطوعي وإحيائه، كأحد المواطنين القطريين الذي تقدّم لثلاث وزارات فاعلة في الدولة يطلب المشاركة التطوعية في ما يمكن من أنشطة ومهام دون أن يجد أي جواب أو تجاوب.
ثالثاً وليس أخيراً، نتطلع إلى رؤية أعمال تطوعية تنشأ من قلب المجتمع، تهدف إلى حل مشاكل المراهقين مثلاً؛ الانحرافات الأخلاقية، وغيرها، وألا ننتظر كل شيء من المؤسسات الحكومية، خاصة أن ذلك أبرز ما يعبّر عن إنسانيتنا.;

JoomShaper