هل أصبح العالم اليوم منتجا للأزمات إلى هذه الدرجة وهل وصل العقل البشري إلى العجز أو الفشل في التصدي لمثل تلك الأزمات؟ سؤال ضمن أسئلة متعددة ومتشعبة تفصح عمّا نحن فيه اليوم.

ببساطة شديدة، يمكنك الإبحار وسط موج متلاطم من الأزمات من خلال البحث عن المؤتمرات المتخصصة في إدارة تلك الأزمات، حتى صارت هنالك مواقع ومؤسسات تبيعك رسم اشتراك في العديد من المؤتمرات من هذا النوع.

ولكن يبدو أننا وسط تلك الأزمات نعيش أيضا في وسط جزر متباعدة في ما يتعلق بمدى تفاعل الجمهور مع الأزمات.
هنالك جمهور عريض لا يكترث بما يجري من حوله، لي صديق من المستحيل أن يستخدم جهاز التلفاز أو الهاتف النقال أو الكمبيوتر لتتبع الأزمات التي تعصف ببلده أو بالعالم ولا يقرأ أخبار الساسة.
لكن الصديق نفسه من الممكن أن يشرح لك المشكلات التي تعاني منها جالية بلاده التي هو جزء منها وليثبت أن كثيرا منها تعيش في أزمة اجتماعية وشخصية خانقة.
تنسحب القصة إلى مواقع التواصل الاجتماعي فالذين لا يخوضون في السياسة على صعيد العالم العربي تفاديا للانقسام والسجالات يجدون أنفسهم في كل يوم يغذون صفحاتهم بآخر الأزمات التي تعصف بالمجتمع وبأفراد بعينهم.
واقعيا صارت هنالك علامة فارقة وفعل لا شعوري، إن لم توجد أزمة فيجب أن نختلقها.
الأزمة هي أفضل وأسهل من فكرة الحل ولهذا انسحب الأمر على بعض (نجوم) قنوات اليوتيوب العرب الذين ينتجون الأزمات ويعيشون على الأزمات.
مثل هذا الإنتاج الوفير للأزمات عبر تلك القنوات يجد له سوقا رائجة بالطبع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إلى اليوم مازال هنالك سجال في أي من الصحابة كان على صواب وخذ سيول التعليقات التي تؤكد لك أنها أزمة ولدت وسوف تبقى لكنها انتقلت إلى وسائل التواصل الاجتماعي في العصر الحديث.
هنالك عبر المنصات آليات أخرى ومنها العقوبات والردع تجاه المختلفين في الرأي أو الذين يفندون الأزمات ولا يغذون الساحة بالطاقة السلبية وهؤلاء مصيرهم إلى الحظر.
لم تكن قصص الأزمات بهذا الانتشار قبل أن تنتشر وسائل التواصل الاجتماعي وصار بث القصص حتى الملفقة والكاذبة زادا يوميا يعتاش عليه أناس مدمنون تقريبا على تلك الوسائط ولا يمكن أن يتخيلوا أن يومهم يبدأ أو ينتهي من دون تغريدات وتعليقات سواء في فيسبوك أو تويتر.
مقاهي الأزمات هي هذه المنصات التواصلية المستحدثة، حيث يجد عشاق الطاقة السلبية ضالتهم في أن يحملوا ما يشاؤون منها لينقلوا الشعور بالأزمة إلى العائلة والأقربين في عدوى اجتماعية تتفاقم في كل يوم.
بالطبع لا توجد استطلاعات ولا دراسات يمكن الاعتداد بها في ما يتعلق بتفاعل الإنسان العربي مع الأزمات وكيفية تصريفها إلى الآخرين، لكن من المؤكد أن سياحة بسيطة على منصات التواصل الاجتماعي سوف تكشف الكثير وتجيب على العديد من الأسئلة.
يقدّم الباحث لوك جونز في بحث استطلاعي عن ظاهرة الأزمات في وسائل التواصل الاجتماعي ويختار عددا من القضايا – الأزمات التي انتشرت عبر تلك الوسائط مستخلصا أن قصصا بعينها تم تضخيمها وصارت موضوع سجال وأخرى أكثر أهمية تم تجاهلها. واقعيا إن هذه الأعراض تتشابه مع ما يجري في الواقع العربي فهنالك تضخيم غير مبرر لأزمات وقصص ليست ذات أهمية، مع تجاهل ما هو أهم في ما يتعلق بمصير ومستقبل وصحة وتعليم وامن الشعب برمته.
الانشغال بالأزمات لا شك أنه في الأخير يصب في صالح كثير من الساسة الذين يتفرجون على شرائح واسعة من الشعب وهي شبه مخدرة ومنغمسة في منصات التواصل الاجتماعي ليلا نهارا وبث الأزمات من خلالها وترك ثلة من الساسة الفاسدين يعيثون في الأرض فسادا.
طاهر علوان

JoomShaper