اندثرت الكثير من الطرق التقليدية في العملية التعليمية، في ظل التطوُّر التكنولوجي الذي يجتاح كل مجالات الحياة. وحلَّت أساليبٌ أخرى محل الطُرق التقليدية، وهي أساليبٌ تعتمد في المقام الأول على مراقبة الطلاب ورصد سلوكياتهم في أوراق وجداول، من أجل تحسين مستواهم والتنبؤ بمستقبلهم أيضًا.
لذا نشرت كايتي هيدريك تايلور، الأستاذة المساعدة في علوم التعلُّم والتنمية البشرية بجامعة واشنطن الأمريكية، مقالًا على موقع «ذا كونفرزيشن» الأمريكي تناولت فيه قضية توجُّه المدارس مؤخرًا إلى البيانات الضخمة «Big Data» وطُرق تطبيقها في متابعة مستوى الطلاب الدراسي.


وبدأت كايتي مقالها بذكر تجربتها الشخصية مع ابنها داخل إحدى المؤسسات التعليمية، فذكرت أنَّها كانت تجلس في اجتماع أولياء الأمور والمعلمين على كُرسي صُنِع لطفلٍ في السادسة من عمره، أمام طاولة مُعلِّمة الصف الأول.
أشارت المعلمة إلى النسب المئوية المُظلَّلة باللون الأحمر، فتأملت كايتي الأرقام واستمعت إلى المُعلِّمة وهي تقول: «يُمثِّل هذا الرقم مُعدَّل طفلك على مقياس لكسيل للقراءة»، وتابعت مُشيرةً بإصبع السبابة إلى جدولٍ من إعداد «ميتاميتريكس»: «هذا هو مُعدَّل القراءة الطبيعي المناسب لعمره، لذا عليكِ أن تُساعديه على قراءة الكتب بهذا المستوى».
وانتقلت المُعلِّمة إلى تقريرها عن مادة الرياضيات بالأسلوب نفسه: الكثير من النسب المئوية، والمُعدَّلات، و«المستويات»، التي تم حسابها أحيانًا وفقًا لمقاييس مُتنوعة ذات حقوق نشرٍ محفوظة.
حينها بدأت كايتي تُواجه صعوبةً في الفهم، وتساءلت في صمت: «لا أفهم ما الذي تقوله تلك البيانات عن طفلي، رغم حصولي على درجة الدكتوراه في التعليم والتعلُّم، فما الذي يستفيده أولياء الأمور الآخرين من هذه الاجتماعات؟».
حين توقَّفت المعلمة لتلتقط أنفاسها، انحنت كايتي إلى الوراء بقدر ما سمح لها ذلك المقعد الصغير، فرفعت المُعلِّمة بصرها عن كومة الأوراق وهي تتعقب نظراتها، وانتهزت كايتي الفرصة لتُباغتها بالسؤال التالي: «هل تحدّثت إلى ماك من قبل؟ أعني هل تعلمين الأشياء التي تُعجبه أو تُثير اهتمامه؟ فمن الجيد أن تختاري له كُتبًا بناءً على اهتماماته».
ترى كايتي أنَّ «ميتاميتركس» لا تعلم الأشياء التي تُثير اهتمام ماك – وهذا اسمٌ مستعار – بشأن التعلُّم. فابتسمت المعلمة واسترخت على الكرسي هي الأخرى.
وتعتقد أن جمع البيانات عن الطالب ليست أمرًا كافيًا، علاوةً على أنَّها ليست بديلًا عن بناء علاقةٍ وطيدة مع صغار السن. لكن المعلمين يُؤدُّون مهمتهم على أكمل وجه من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية؛ إذ يُجيدون التعامل مع البيانات، والحديث بالنسب المئوية، وقياسها. وهذا هو التعليم في عصر «البيانات الضخمة».
لماذا يجب عليكِ الاهتمام بالنشاط البدني لطفلك أثناء الدراسة؟ العلم يخبرك
المدارس المهووسة بالبيانات
ذكرت كايتي في مقالها أنَّ المسؤولية الموكلة حديثًا إلى المدارس، والضغوط المُترتبة عليها بسبب قانون «عدم ترك أي طفل No Child Left Behind»، دفعت المعلمين إلى استخدام بيانات الطلاب استخدامًا مُتزايدًا من أجل إعمال قواعد غرفة التدريس، وإحداث التطوير على مستوى المدرسة.
البيانات الضخمة
وأشارت كايتي إلى الفقرة الأولى من الموجز التنفيذي لعام 2009، والصادر عن وزارة التعليم، لتمنح القارئ لمحةً بسيطة عن أهمية البيانات والإحصاءات في المدارس. وأوردت تلك الفقرة التالي:
«يُتمتَّع جمع وتحليل واستخدام البيانات التعليمية بأهميةٍ محورية في ما يتعلَّق بتحسين نتائج الطالب، وفقًا لما يَنُص عليه قانون «عدم ترك أي طفل». ومن المتوقع أن يمتد استخدام البيانات في عملية صنع القرار التعليمي إلى جميع طبقات المنظومة التعليمية – بدايةً من مستوى الحكومة الفيدرالية والولاية والمقاطعة، ووصولًا إلى مستويات المدرسة والفصول الدراسية».
وأوردت كايتي استطلاع الرأي الذي أجرته وزارة التعليم على 1039 من الدوائر المدرسية في جميع أنحاء البلاد عام 2007، إذ وجدت الوزارة أنَّ 100% من تلك المدارس تمتلك نظامًا معلوماتيًا للطالب يحتوي على نقاط بيانية وإحصائية، مثل درجات اختباره على مستوى الولاية من حيث التقييمات، والخصائص السكانية، والحضور، والسلوك.
وأفادت كايتي أنَّ الأنظمة المعلوماتية للطالب، مثل «باور سكول PowerSchool» و«إنفينيت كامبس Infinite Campus» و«سكاي وَارد SkyWard» – التي تُكلِّف كلٌ منها الطالب أكثر من خمسة دولارات أمريكية شهريًا – تتعهَّد بتوحيد كافة أشكال المتابعة لبيانات الطالب والمدرسة في المنطقة.
وتُساعد هذه الأنظمة المعلمين على رؤية بيانات الطالب في مجموعات، بطريقةٍ مثالية، وبالتعاون مع المعلمين وقادة المدارس الآخرين. لكن طريقة ترجمة، واستخدام، وتجاهل، المعلمين من مختلف المناطق للبيانات ما تزال محلًا للتساؤل.
إذ يحتاج المدرسون في بعض المناطق إلى تدريبات توعوية للإلمام بمجال البيانات، بحسب مقال كايتي، من أجل أن يُدرِكوا كيفية تحليل بيانات الطالب وتعديل تعليماتهم بناءً على ذلك.
وحين يُترَك المُعلِّمون دون تدريبات عملية في مناطق أخرى، نَجِدُ أنَّهم لا يمتلكون أي خطة منظمة للتعامل مع كل تلك البيانات؛ مما يجعل تجربة البيانات الضخمة تبدو عديمة الجدوى.
تحديد احتياجات الطلاب
أوردت كايتي مقولة الروائية توني موريسون، التي قالت ذات مرة: «تُعَدُّ الحكمة مُجرَّد شُعورٍ حدسي حين تغيب البيانات»، وكذلك فإنَّ امتلاك البيانات عن الأطفال فقط، لن يضمن لهم الحياة الكريمة أو المستقبل الواعد.
ولكن الحقيقة تأتي بصورة مُعاكسةٍ تمامًا في غالبية الأحيان. إذ يُستبعد الطلاب من فرص كثيرة بسبب وصفهم بأنهم «ضعفاء الأداء»، وذلك اعتمادًا على نقاط بياناتهم المحدودة. لكن عبء تطوير الطالب لا يقع على عاتقه وحده، بل يتعلَّق بمساءلة النظام عن سبب رسوب الطفل.
وتعتقد كايتي أنَّه ينبغى على المدارس التركيز على تطوير طريقة استغلال البيانات بحكمة، والاعتماد على قوة هذه البيانات ودورها في تمهيد طريقنا نحو مُستقبلٍ أفضل. وهذا يعني أنَّ جميع التربويين – من أولياء الأمور والمعلمين – مُلزمون باستخدام هذه البيانات بحكمة، مع مراعاة ما تُظهره هذه البيانات وما تُخفيه، ومُقارنتها مع السياق الاجتماعي الأكبر، والنظر إلى التجارب والتوجُّهات السابقة في حياة الطفل أيضًا من أجل التخطيط للمستقبل بعناية.
وتُشجِّع البحوث التعليمية المُعلِّمين على توسيع تعريفاتهم للبيانات بشكل مُتزايد، حتى تشمل المصادر الأخرى بخلاف التقييمات المُعتادة: مثل بيانات المراقبة داخل غرفة الدراسة، المحادثات الشخصية المُسجَّلة مع الطالب، ومقاطع الفيديو التي تُظهِر طريقة حديث الطلاب وإيماءاتهم أثناء مُحاولة حل مسألةٍ رياضية.
أفادت كايتي أنَّ أشكال البيانات السابقة ترسم – حين نجمعها معًا – صورةً أكثر دقة عن الطفل، وبذلك تُبرِزَ الجوانب التي لا يُمكن قياسها عن طريق التقييم المفروض من قِبَل الدولة.
وتنصح كايتي أولياء الأمور والمعلمين بالبحث عن المزيد من النقاط البيانية التي تُسلِّط الضوء على الديناميكيات الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية المُؤثِّرة في الطفل على مدار اليوم. إذ أنَّ درجات وليدها ماك على «مقياس ليكسل للقراءة» لا تأخذ بعين الاعتبار أنَّه ليس مُهتمًا بالقراءة عن الكلاب في القطب الشمالي لمدة أسبوعين، لكن البيانات التي تُشير إلى الأمور التي يُفضِّل فعلها داخل المنزل.
تُوفِّر معلومات تكميلية حول موضوعات الكتاب التي يُحتَملُ أن يُفضِّلها ماك، ولا تعلم مقاييس «ميتاميتريكس» أنَّ ماك كان يتضور جوعًا أثناء الإجابة عن أسئلة مادة الرياضيات، لأن والدته نسيت إرسال وجبة غدائه إلى المدرسة، ولأنَّه يبغض طعام كافيتريا المدرسة.
ولا شكَّ أنَّ تقييمًا بسيطًا لحالة ماك العاطفية الاجتماعية، قبل توجهه لحل أسئلة الرياضيات، كان سيشرح أسباب فقدانه الحماس في منتصف ذلك الاختبار.
وأضافت كايتي في ختام مقالها أنَّ ماك، ابنها، هو ذكرٌ أبيض البشرة ولا يواجه أي ضغوطات عُنصرية، أو تمييز جنسي، أو عدم استقرار اقتصادي، وهي الوقائع اليومية التي يُعانيها الكثير من الطلاب ويتم اختزالها بالكامل في مقياسٍ واحد. وترى كايتي أنَّ التقييمات السريعة والجادة عن التنمّر والقلق، مثلًا، تستطيع أن تُفسِّر جدولًا كاملًا من جداول «ميتاماتريكس» لأولياء الأمور والمُعلِّمين.
ومن هذا المنطلق، ينبغي على البالغين والطلاب أن يدرسوا هذه النقاط البيانية التكميلية، من أجل وضع خطة تتطرَّق إلى الأسباب المختلفة التي أدَّت إلى تراجع مستوى الطالب في مادتي القراءة والرياضيات مثلًا. إذ إنَّ التعليم الحقيقي يكمُن في الاستخدام الحكيم للبيانات، بوصفها قاعدةً إرشادية.

JoomShaper