نجيب الشامسي

حينما تتراجع القيم والمبادئ الحقّة في المجتمع يصبح الأقزام عمالقة، والأشراف من أبناء المجتمع من حملة المبادئ والقيم في مستوى اجتماعي غير مناسب، وتصبح القيم والمبادئ المادية هي معيار التميز والوجاهة الاجتماعية، وبالتالي أصبح كل شيء معروضاً للبيع لمن يستطيع شراء تلك القيم ليصبح من وجهاء المجتمع والمتميزين فيه!
ما ثمن تلك الوجاهة الاجتماعية (الفارغة)؟ بكم يشتريها أفراد المجتمع في دولتنا؟ ومن يشتري تلك الوجاهة أصلاً؟! ما الثمن الاجتماعي والنفسي والمادي الذي يدفعه أولئك التواقون لتلك الوجاهة؟
في الوقت الذي نشهد أن درجات الشح والبخل مرتفعة لدى شرائح من الأغنياء في مجتمعنا، ليس على المجتمع وأفراده ومؤسساته فحسب، وإنما حتى على أنفسهم وذويهم، إذ تتكدس أموالهم وثرواتهم في المصارف والعقارات والأسهم والسندات؛ نجد أن شريحة محدودي الدخل ومعظمهم من موظفي الدولة، لاسيما المواطنين منهم، لا يملكون سوى رواتب محدودة تتبخر قبل آخر الشهر، لكنهم وأمام تلك المتغيرات السريعة في القيم والمبادئ والتقييم الاجتماعي يبحثون عن وجاهة اجتماعية (فارغة)، يشترون التميز الاجتماعي بمبالغ كبيرة توصلهم في بعض الأحيان إلى السجون والمساءلة القانونية، فضلاً عن مطالبات الأفراد والمصارف وحتى محال البقالة.

ما دوافع هؤلاء التي تضطرهم إلى دفع ثمن باهظ لهذا التميز الاجتماعي في شراء رقم سيارة أو هاتف مميز، أو التغيير المستمر في الهاتف المحمول، أو شراء سيارة فارهة، أو تعدد السفرات في كل عام بل في كل شهر، أو شراء ساعات ثمينة أو شراء إكسسوارات وساعات وحقائب وأشياء كمالية بالنسبة للمرأة ترهق ميزانية الأسرة أو الزوج أو المرأة نفسها، وتترتب عليها ديون صعبة على الفرد والأسرة، ثم ما ثمن مشاهد البذخ في حفلات الأعراس والحفلات الخاصة وفي شهر رمضان الكريم؟ إن ثمن هذا التميز الاجتماعي لهذه الفئة هو التسوّل لدى البنوك للحصول على قروض وتسهيلات، ويصل به الحال إلى استجداء موظف البنك لكشف حسابه مرة أخرى بـ500 درهم لكي يتمكن من سداد فاتورة الكهرباء، إذ إن أفراد أسرته في السيارة هاربون من الحرارة الشديدة والرطوبة العالية بعد أن قطع موظف الكهرباء التيار عن منزله! وآخر يستجدي صديقاً له ليعطيه 100 درهم كي يملأ خزان سيارته بالوقود ليتمكن من الذهاب إلى عمله غداً، فهو لا يملك هذا المبلغ، وبمعنى آخر (حافي)! ورب أسرة آخر وصل به الحال إلى عدم قدرته على شراء احتياجات المنزل، أو ملابس العيد لأبنائه، ولا يستطيع المرور أمام بقالة الحي لأنه أصبح مطلوباً لسداد ما عليه من متأخرات! رجل آخر لا يستطيع لقاء أصدقائه بعد أن استدان منهم الكثير ليغطي ثمن وجاهة فارغة وتميز اجتماعي أمام الآخرين من زملاء وزميلات العمل.

هذه التصرفات تتطلب التدخل من قبل مؤسسات المجتمع، ومنها وسائل الإعلام المختلفة، للتوعية للحد من دفع أفراد المجتمع تكلفة باهظة وصعبة ثمناً لتميز اجتماعي مصطنع ووجاهة اجتماعية فارغة ما هي إلا تقليد فارغ ومحاكاة للآخرين!

 

الإمارات اليوم

JoomShaper