عمر السبع
هذا المقال وما سبقه يسلط الأضواء على أهمية بناء منظومة القيم داخل نفوس أبنائنا والوسائل المساعدة على ذلك، وفي المقال السابق تحدثنا عن الركيزة الثالثة من ركائز البناء القيمي وهي (السلوك القيمي)، وفي هذا المقال نستكمل الوسائل المعينة على بناء السلوك القيمي في نفوس أبنائنا.
الوسائل المعينة على بناء السلوك القيمي:
1. تدريبهم على الإرشاد الذاتي Self Instruction:
هناك بعض الأطفال يحتاجون ـ إن صح التعبير ـ لتذكرة قبل الدخول في مواقف بعينها حتى لا يخطئوا في اختيار السلوكيات، ويستطيع المربون أن يمدوا هؤلاء الأطفال باستراتيجيات التحدث مع النفس؛ فيتكون لديهم ما يُعرف بالإرشاد الذاتي، حتى يضبطوا ردود أفعالهم وفق السلوكيات المرغوبة.
مثل الطفل الغضوب، والذي سرعان ما يفقد أعصابه، فيدخل في شجار مع زملائه؛ فهذا الطفل لو مُدَّ بهذه الاستراتيجيات سيكون أقوى في التحكم في نفسه وفي ضبطها عن الغضب.
وقد قام العالمان Meichenbaum & Goodman بوضع خمس خطوات لتدريب الأطفال على التعليم الذاتي:
·     يقوم المربِّي بتكرار التعليمات بصوت مرتفع، وهو يتصور نفسه في الموقف.
·     يقوم المربِّي بتكرار التعليمات، بينما يقوم الطفل بتصور نفسه في الموقف.
·     يقوم الطفل بتكرار التعليمات بصوت مرتفع، بينما يقوم بتصور نفسه في الموقف.
·     يقوم الطفل بتكرار التعليمات بصوت مهموس، بينما يقوم بتصور نفسه في الموقف.
·     يقوم الطالب بالتفكير في التعليمات، بينما يقوم بتصور نفسه في الموقف.

ولنعطِ على ذلك مثالًا:

فالطفل الذي لا يستطيع منع نفسه من الحديث في الفصل، كيف يقوم المدرس بمساعدة الطفل عن طريق هذه الخطوات الخمس؟

1- يبدأ المدرس في تصور نفسه في الموقف ـ إحساس بالملل من طول حصة ما ـ ثم يبدأ بتكرار التعليمات بصوت مرتفع، (أنا سأستفيد إن ركزت بصورة كبيرة جدًّا، ستهون عليَّ المذاكرة إن طردت هذا الملل ...).
2- ثم يقوم المدرس بدفع الطفل نحو تصور نفسه في الموقف، بينما هو يكرر التعليمات عليه.
3- ثم يكرر الطفل التعليمات بصوت مرتفع، وهو ما زال يتصور نفسه في الموقف.
4- ثم يكررها بصوت مهموس.
5- ثم يتحول التدريب كله إلى تدريب تصوري، حيث يفكر في التعليمات بينما يتصور نفسه في الموقف.
2. تدريبهم على تقييم النفس Self – Evaluation:

وذلك بأن يتعلم الأطفال تقييم سلوكياتهم، وتقييم أدائهم تجاه أهدافهم، فيحرص المربون على إشراك الأطفال في أنشطة لمراجعة سلوكياتهم؛ وذلك عن طريق:
·     إعداد معايير واضحة لنجاح أعمالهم، ويقومون بوضعها قبل البدء في أي عمل
·     ثم يبدأون في تدوين الإيجابيات والسلبيات التي اكتشفوها خلال تقييمهم للأدائهم.
·     المشاركة في نقاشات مع أصدقائهم، تتناول مستوى أدائهم للأعمال مع تقبل الانتقادات التي تأتيهم من خلال تلك المناقشات.

3. تدريبهم على التعزيز الذاتي (مكافأة النفس) self reinforcement:

ونعني بذلك تعليم الأولاد كيف يكافئون أنفسهم عند النجاح والتفوق، كأن يقوم الولد بمكافأة نفسه عند القيام بأحد السلوكيات الإيجابية من مساعدة الآخرين، أو النجاح في الانتهاء من واجبه في الوقت المحدد، بالتنزه في أحد المتنزهات مع أصدقائه، أو يقوم باستغلال بعض الوقت في اللعب ومشاهدة أفلام الكرتون في التلفاز.

وتعد هذه الطريقة فعالة للغاية في التعامل مع الأطفال الذين يبدون ضعفًا في فعل سلوكيات بحد ذاتها، فيقوم المربِّي بتشجيع الولد على إعادة التجربة تجاه هذا السلوك، ثم يبدأ الطفل في مكافأة نفسه عندما يشعر بأي تقدم تجاه الهدف ... وهكذا.

وقد أثبت هذا الأسلوب نجاحًا كبيرًا في ازدياد قدرة الأولاد على ضبط أنفسهم؛ لأنه يساعدهم على التقدم خطوات في اتجاه أهدافهم، كما أنه يُشعِرهم بأن هذه الأهداف قد وضعوها بأنفسهم، وهم من سيكافئون أنفسهم عليها؛ وبالتالي فإنها مكافأة مضمونة، على العكس تمامًا من المكافأة المنتظرة من الآخرين، والتي قد تتأخر في أحيان كثيرة؛ مما يجعل الطفل يفتقد الدافعية لتحصيل الأهداف.
4. تدريبهم على الطرق الصحيحة لحل المشكلات self-regulatory problem solving strategies:
وهي مجموعة من الاستراتيجيات المتفرقة، والتي تعين الأبناء على حل المشكلات التي تواجههم.

فمثلًا؛ لكي نعلِّم الأطفال في المرحلة الابتدائية كيف يتعاملون بصورة فعالة مع المشاكل الشخصية، لابد أن نعلِّمهم أن يستخدموا هذه الاستراتيجية:
·     تعريف المشكلة.
·     وضع أكثر من حل لها
·     توقع توابع كل حل من هذه الحلول.
·     اختيار الحل الأمثل.
·     البدأ في تنفيذ الخطوات.
·     تقييم النتائج.

وكذلك أسلوب التدريب التأملي Meditation Training؛ ويقوم على:
·     تعريف الصراع الذي حدث.
·     التعبير عن وجهة نظر الطفل واحتياجاته ودوافعه.
·     شرح وجهة نظر الطرف الآخر ودوافعه واحتياجاته.
·     وضع ثلاثة حلول لحل هذا الصراع.
·     الوصول إلى اتفاق يؤدي إلى تلبية احتياجات ومتطلبات الجانبين.

وفيها يستطيع المربِّي أن يجعل الطفل ينفك عن مشاعر الغضب، فإذا حدث للطفل شجار مع زميل له؛ يستغل المربِّي هذه الفرصة ويجلس يفكر معه، فيقومان بتحديد هذه المشاعر السلبية، ثم يبدأ في تناول وجهة نظر الطفل ودوافعه للسخط من زميله، ثم يأخذ وجهة نظر الطرف الثاني ودوافعه للسلوكيات التي بدرت منه، ثم يضع معه ثلاثة حلول للصراع تجمع بين الطرفين، ثم يقوم بتنفيذها.

وهكذا يتعلم الولد كيف يسيطر على مشاعره السلبية، ويتحكم فيها عندما تواجهه المشكلات.

وأيضًا استراتيجية التحدث مع الذات self talk:
وهي أن يقوم المعلِّم أو الأب بتعليم الطفل كيف يتحدث مع نفسه، عندما يشعر برغبته في السيطرة على نفسه في موطن أو موقف ما؛ فمثلًا: لو قام طفل بضرب طفل آخر وشعر هذا الأخير برغبته في ردِّ هذا الضرب؛ فينبغي علينا أن نعلِّمه أن يقف قليلًا مع نفسه، ثم يسأل نفسه هذه الأسئلة:

لو ضربتُه فسيضربني وستحدث مشاجرة كبيرة.
وغالبًا ما سينتبه المدرسون لذلك؛ وسيقومون بالتحقيق معنا.
ستحدث جراء ذلك مشكلة.
وسيتم استدعاء والدي للحديث عن سوء سلوكي.
أنا لن أسمح له أن يوقعني في مشكلة.
أنا لا أعرف لماذا ضربني؟! لكني سأختار بقوة إرادتي أن أبتعد وألَّا أرد إليه ضربته.

وهناك استراتيجيات أخرى كاستراتيجية رسم صورة، أو عد الأعداد، أو أخذ التنفسات العميقة، أو الكلام مع أحد الأشخاص المقربين، كما يستطيع الأب والمعلم أن يشرحا للأبناء والطلاب المواقف التي تتطلب تحكمًا عاليًا في النفس؛ مثل:

يقول الأب والمعلم مخاطبًا الأبناء: (إذا قيل لأحدكم لا أحد يحبك بالمرة، كيف سيرد عليه؟).

ثم يناقش عدة اقتراحات مفيدة في هذا الشأن؛ كمثل: أن يقول الولد في نفسه: (إنه مخطئ أنا عندي أصدقاء وكلهم يحبونني)، أو يقول: (أنا لن أدعه يعكِّر مزاجي بكلامه هذا)، أو يقول: (أنا شخص محبوب)، أو يقول: (سوف أسامحه؛ لأني شخص طيب القلب مع الجميع)، أو يقول: (أنا مسئول عن تصرفاتي وأفكاري ومشاعري).

بل وثبت أن بعض الاستراتيجيات أكثر نجاحًا من الأخرى، فقد ثبت أن الخطط الكلامية التي تركِّز على مقاومة الإغراء (عندما يخاطبك المهرج ويدعوك للنظر إليه قل في نفسك: أنا لن أنظر إليه)؛ أكثر تأثيرًا من مجرد الاستراتيجيات التي تركِّز على الالتهاء بالعمل الذي يؤديه.

وكلما كانت الاستراتيجيات أكثر تحديدًا؛ كلما كانت قدرة الأولاد على مقاومة الإغراء أعلى، ولو أصبحت هذه الاستراتيجيات والتدريبات جزءًا لا يتجزأ من العملية التربوية وكانت مدعومة بحوافز مادية ومعنوية؛ فإن قدرة الأطفال على مواجهة الإغراءات ستكون كبيرة، وستكون صفة التحكم في النفس قوية التأثير فيهم؛ مما يؤهلهم للسلوك القيمي مستقبلًا [كيف نغرس القيم في نفوس أطفالنا، د.محمد صديق].

JoomShaper