ربى الرياحي
يخطئ الأهل في كثير من الأحيان عندما يمنحون أبناءهم جرعات كبيرة من المحبة والحنان بحجة أنهم صغار، ويحتاجون لتلك المشاعر الضرورية كاحتياجهم للمأكل والمشرب، متجاهلين نقطة مهمة، وهي أن إفراطهم في منح أبنائهم هذا القدر الكبير من الحنان قد يزيد من متاعبهم ويحولهم إلى أشخاص ضعفاء لا يقوون على مواجهة الحياة.
لذلك لا بد للأهل من ضبط مشاعرهم أمام أبنائهم، كي لا يتسببوا في مشاكل نفسية عميقة الأثر لدى الأطفال، الأمر الذي سيقودهم إلى تعميق صفات سلبية بإمكانها أن تهز شخصيتهم وتطمس معالمها.
ولجوء الأهل إلى الموازنة بين حبهم لأبنائهم، وبين مصلحتهم التي هي أساس سعادتهم، قد يمكنهم من تخطي جميع التحديات التي تهدف إلى إفشال مهمتهم كآباء ينظرون إلى مستقبل أبنائهم بتخوف وحذر شديدين، متمنين لهم حياة غير تلك الحياة التي عاشوها.
ولأن للتربية دورا كبيرا في تنشئة الأبناء وإعدادهم إعدادا صحيحا، فمن الضروري جدا أن ينتبه الأهل إلى الأسلوب الذي سيتبعونه مع أبنائهم، وأن يحاولوا الدمج بين الحزم واللين، فاتباعهم هذا النوع من الأساليب، سيساعد الأبناء كثيرا في تنمية روح المسؤولية التي تسهم بشكل كبير في تخليصهم من الاتكالية التي ترسخت نتيجة للاهتمام الزائد غير المبرر، فباتت عقبة تقف في طريقهم تمنعهم من خوض تجارب واقعية غنية بالخبرة والفائدة التي من شأنها أن تثري شخصيتهم وتصقلها بكم هائل من المهارات الضرورية التي قد يحتاجون إليها لتعينهم على مواجهة صعوبات الحياة، معتمدين في ذلك على أنفسهم وما يملكونه من محبة واهتمام بطريقة تضمن لهم مستقبلا زاخرا بالنجاحات، وتعليمهم أيضا ليس المهم أن نعرف كيف نأخذ، بل المهم أن نعطي أيضا، وإدراكنا لهذه الحقيقة المهمة يجعلنا نتعامل مع احتياجاتنا بوعي أكبر.
وحصول الأبناء على الكثير من الحب والرعاية بدون أن يكون لتلك المشاعر مقابل، قد يعمق لديهم شعورا مقيتا بالأنانية، الأمر الذي سيقودهم حتما إلى الاستئثار بكل شيء يحتاج إلى التفكير ولو قليلا بالنتائج المترتبة على مثل هذا التصرف الخاطئ، الذي قد ينتزع منهم إرادتهم ويحولهم إلى أشخاص منقادين لأهوائهم، لا يستطيعون كبحها أو السيطرة عليها، وكل ما يهمهم هو الحصول على ما يريدون حتى لو كان ذلك سيؤذي الآخرين استسلامنا للأنانية، وهذا يزيد من متاعبهم لأنها ببساطة تعلمهم أسلوب الأخذ وينسون أن حياتهم لا معنى لها إن لم يتقنوا أيضا مهارة العطاء.
جهل الأهل بالآثار السلبية التي يخلقها الحنان المسرف والاهتمام المبالغ به والخوف المرضي، قد يسهم وبشكل كبير في إيجاد جيل مستهتر غير مبال، عاجز عن تحمل مسؤولية أفعاله، يحاول دائما إلقاء اللوم على من حوله، إضافة إلى أنه جيل يفتقد إلى الاستقلالية التي هي سبيل لتعزيز الثقة وتحقيق أحلام وأمنيات أوشكت أن تصبح سرابا لاعتقادهم الخاطئ بأنها مستحيلة وبعيدة المنال.
شعور هؤلاء الأبناء بالاستقلالية، هو الذي يمنحهم دافعا كبيرا لمواجهة ظروف الحياة المتغيرة بإرادة قوية وإيمان عميق، قادر على أن يصنع منهم نماذج ناجحة تطمح إلى استغلال جميع الخبرات التي اكتسبوها، مع محاولة الاستفادة من التجارب الحية والواقعية التي قد تزيدهم ثقة وتحملا، ليستطيعوا الوصول إلى مبتغاهم بخطوات هادئة ورصينة تعي جيدا ما تريد.
جميعنا بحاجة إلى المحبة والرعاية والمساندة لكن بحدود المعقول، وبدون مغالاة، لنتمكن من التعامل مع مشاكلنا بوعي، وكلنا على يقين تام بأن المشاعر سلاح ذو حدين ينبغي أن نتعامل معها بحذر كي لا تكون سببا في ضياعنا وتشتتنا.
وهناك الكثير من الأبناء الذين يقعون ضحايا لأخطاء آبائهم، فقط لأنهم ظنوا أن الحب وحده كاف لإسعادهم، ولا يدرون أنهم بهذه الطريقة يجنون على أبنائهم ويحملونهم فوق طاقتهم، فتعويدهم على الأخذ باستمرار يرسخ عندهم عادات سيئة من الصعب استئصالها، لذلك فمن واجب الأهل تجاه أبنائهم أن يغرسوا فيهم منذ الصغر قيما ومبادئ إنسانية تؤهلهم لخوض التجارب الحياتية بجدية وبدون استهتار.
حب الأهل لأبنائهم ليس أمرا سلبيا، بل على العكس تماما، يقويهم ويزيد من مناعتهم ضد الهموم والأوجاع، وبخاصة إذا كان ضمن الحد الطبيعي، الذي يمكنهم من اجتياز التحديات كافة بروح قوية جادة تحلم في صنع غد أفضل يسوده الحب والطموح والإرادة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

JoomShaper