لها أون لاين
لا شيء يعْدل التربية في توجيه سلوك الإنسان وضبطه، ولا تربية أعظم من تربية الإسلام لأتباعه، من هذا المنطلق يمكن للمتابع المهتم أن يلحظ أثر هذه التربية في سلوك المسلمين في تعاملهم مع بعضهم ومع غيرهم، في تعاملهم في نطاق الأسرة الصغيرة أو المجتمع الكبير، في علاقة الأخوة الإيمانية أو العلاقات الإنسانية، في صلة الرحم وبر الوالدين أو الاهتمام بالجيران والأقربين، وغير ذلك من مجالات التعامل البشري والاحتكاك حتى بالحيوان والجماد.
التربية اليوم تمرّ بأزمة حقيقية لم تشهدها من قبل، فلم يعد الأبوان هما مصدرها، ولم تعد المدرسة تضبطها أو تنفرد بها، ولم يعد المسجد يهذبها، ولم تعد خطبة الجمعة كافية لتأصيلها، تتنازع المربي فيها نوازع التقنية، وتتجاذبه فخاخ المغريات، وتكسر مجاديفه صخور الملهيات، فخرج إلى السطح نمط من التعامل لم يكن معهوداً، ولم يعد مستساغاً السكوت عنها أو تمريرها، فخرج جيل من النشء لا يعرف لكبيرٍ قدره، ولا لصغيرٍ رحمة، ولا لعالم قدراً، ولا لذي سلطان مهابة؛ ومما شجّع على ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، وآلات التقنية وأبوابها التي جعلت كلاً ينطق بما يشتهي دون خوفٍ أو وجل أو تقديرٍ لتبعات حديثه وأثره، وزاد أثرها وسرّع انتشارها التخفي خلف أسماء وهمية، أو التدرّع بشعار الحرية، أو استغلال السفهاء إغراءً أو شراءً بمال أو شهرة.
انفراط عقد التربية وانعدام أثرها في المجتمع، يحتاج إلى وقفة تأمل ودراسة جادة، فنحن أمام جيل سيربي أجيالاً ويخرّج أمماً، يتصف – غالبه - بصفات التسيب واللامسؤولية، وانعدام الاحترام، وزوال ثقافة العيب من قاموسه، فضلاً عن مبدأ الحلال والحرام، والمخاطر التي تعصف بالأمة، توجب أن تكون الأجيال واعية بمبادئها، متشربة قيمها، متسقة مع عاداتها وتقاليدها، تعرف مرجعيتها بكل تفاصيلها، وتعتز وتفاخر بها.
الامتحان العظيم الذي تقف الأمة على عتباته، سيكون أغلب إجاباته مبنياً على التربية الصحيحة التي يستطيع النشء من خلالها معرفة حدود العلاقات، وتراتيبية المجتمعات، وأسس التعاملات، وليس مجرد تلقينه نصوصاً مجردة يخالفها التطبيق في أرض الواقع.
الوقوف الصحيح عند قوله صلى الله عليه وسلم "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ"(1) يمكن أن يحل كثيراً من تعديات الجيل على ثوابته، إما جهلاً منه بها، أو ضجراً منه بتبعاتها؛ لأنها طُبِقت بطريقة خاطئة، فأنزلت بعض الناس في غير منازلهم، إما رفعاً فوق قدرهم، أو حطاً من شأنهم؛ مما ولّد اضطراباً في أسس العلاقات الاجتماعية في أذهان الجيل، نحتاج معها من خلال المحاضن التربوية أن ننزل الناس منازلهم الحقيقية، دون غلو أو احتقار، وفي الحديث: "أنزلوا الناس منازلهم"(2).
الحاجة للمحاضن التربوية على كل المستويات باتت ملحة؛ للوقوف في وجه الانهيار القيمي، والتخلص من التبعية العمياء لكل ناعق يدغدغ مشاعر المحبطين، أو ينفخ في كبرياء الناجحين، أو يشكك في العاملين.
أول لبنات هذه المحاضن التربوية الراسخة تبدأ من الكيان الأول من مكونات المجتمع، وهي الأسرة، وإن استطاعت الأسرة تكوين حصانة تربوية لأبنائها وبناتها، فسيخرج جيل يتصف بقدر عالٍ من المسؤولية بإذن الله، وستتبعها بقية مكونات المجتمع فهي تبع لها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رواه أحمد و الترمذي والحاكم بنحوه، وصححه، وحسنه الهيثمي، وحسنه الألباني.
رواه أبو داود وضعفه الألباني.
التربية الحصن الأول والملاذ الأخير
- التفاصيل