سحر محمد يسري
أعزائي كل أب كل أم كل من شرفه الله تعالى وائتمنه على مهمة التربية، المتابعة من أسس الإدارة وقواعد التخطيط ومما يعين على تحسين الإنتاجية في أي مؤسسة، وقواعد الإدارة لا تطبق فقط على المشاريع التجارية ومؤسسات العمل الإنتاجي، وإنما تعتبر العلاقات بين البشر من أهم مجالات تطبيق الإدارة، وبالطبع تمثل مؤسسة الأسرة رأس العلاقات الناجحة السوية بين البشر، وتدعيمها بقواعد الإدارة – ومن أهمها المتابعة – يؤدي إلى نجاحها ويرفع من مستوى إنتاجها البشري، الأمر الذي تحتاجه أمتنا بشدة في هذه المرحلة حتى تستعيد مجدها وريادتها..
لماذا نتابع؟
لأننا مسئولون عمن نربيهم يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته) [رواه البخاري ومسلم].
إنّ صفة المتابعة من صفات الأنبياء ـ عليهم السلام ـ كما في قصة الهدهد وسليمان عليه السلام، قال تعالى: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} يقول السعدي رحمه الله: (دل هذا على كمال عزمه وحزمه، وحسن تنظيمه لجنوده، وتدبيره بنفسه للأمور الصغار والكبار حتى إن لم يهمل هذا الأمر وهو تفقد الطيور، والنظر هل هي موجودة كلها أم مفقود منها شيء)، ويقول أيضًا رحمه الله: (وإنما تفقد الطير لينظر الحاضر منها والغائب، ولزومها للمراكز والمواضع التي عينها لها) [تفسير السعدي، ص602].
والمتابعة من أصول المنهج النبوي في التربية:
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا على متابعة أصحابه وتفقدهم، كبارًا وصغارًا، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة) [رواه مسلم].
ويتابع بدقة أداء الصغار للعبادات في أوقاتها، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "بت عند خالتي ميمونة فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم بعدما أمسى فقال (أصلى الغلام؟)، قالوا: نعم، فاضطجع حتى إذا مضى من الليل ما شاء الله قام فتوضأ ثم صلى سبعًا أو خمسا أوتر بهن لم يسلم إلا في آخرهن) [رواه أبو داود]، فمن الفوائد التربوية الواضحة في هذا الحديث: تفقد أحوال الأبناء ذكورا وإناثًا، والسؤال عن صلاتهم.
وقد تواتر هذا الأداء التربوي المتقن من سلفنا الصالح جيلًا بعد جيل، وسطره علماؤنا خصوصًا الذين عنوا بالكتابة في التربية والتأديب، أن السلف الصالح رضوان الله عليهم اهتموا بهذه الصفة ـ صفة المتابعة ـ بل كانوا يحثون المربين عليها. يقول ابن جماعة رحمه الله:
(إذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائدًا عن العادة سأل عنه وعن أحواله وعمن يتعلق به، فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه، أو قصد منزله بنفسه، وهو أفضل؛ فإن كان مريضًا عاده، وإن كان في غم خفض عليه، وإن كان مسافرًا تفقد أهله ومن تعلق به، وسأل عنهم وتعرض لحوائجهم وأوصله بما أمكن، وإن كان فيما يحتاج إليه فيه أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك تودد له ودعا له.) [تذكرة السامع والمتكلم، ص: 61 ـ 63]، ويقول الإمام النووي وهو ينصح المربي ويضع له واجبات منها: (وينبغي أن يتفقدهم ـ أي الطلاب ـ ويسأل عمن غاب منهم) [المجموع ج1، ص31].
وما هي نتيجة ضعف متابعة الأبناء؟
إن أي انحراف يعتري أفكار الأبناء أو سلوكهم لا يأتي في لحظة واحدة أو بين عشية وضحاها، وإنما تتسلل الأفكار إليهم رويدًا رويدًا، ولا تتمكن منهم إلا تحت مظلة الإهمال الأسري، وعدم متابعة الوالدين لهم، إحدى الفتيات اللاتي عبدن الشيطان في مصر منذ عدة أعوام قالت في التحقيقات:(إن أبي وأمي لم يدخلا غرفتي منذ سنة ونصف ..!).
وهذه هي النتيجة الطبيعية إذا تركنا الأبناء هملًا لا ندخل على حجرتهم، لا نعرف نوعية الصور التي يعلقونها أو كتب التي يقرؤونها، ومن هم أصدقاؤهم الذين يختلطون بهم، وما هي أفكار هؤلاء الأصدقاء؟، وما هي البيئة الأسرية التي أتوا منها؟
كذلك يؤدي إلى مثل هذه النتيجة عدم متابعة أداء الأبناء لشعائرهم الدينية، واحترامهم لها، ومدى اهتمامهم بدراستهم، ودرجة انتظامهم فيها، وما يقابلهم من مشاكل أو عقبات، وكيف يواجهونها؟
كذلك عدم متابعة أموالهم التي معهم، وهل زادت أم نقصت، ورصد ما يتلفظون به من ألفاظ، والتصحيح الفوري ونبذ ورفض القبيح منها، وعلى علاقتهم بالجنس الآخر، ووسائل الاتصال الحديثة التي باتوا يملكون ناصيتها، ما هي المواقع التي يدخلونها على شبكة الانترنت؟ وما هي أنشطتهم على مواقع التواصل الاجتماعي؟
أعزائي .. إننا لا نعني بذلك أن نتسلط على الأبناء، أو نشعرهم أننا نراقبهم بعدسة مكبرة ونقف لهم بالمرصاد، بالطبع لا، ولكن المتابعة تعني أن نعطي لأبنائنا حيزًا كبيرًا من أوقاتنا بشكل يومي، بالمعايشة الطيبة والتوجيه الحسن، بشكل طبيعي يجعلنا على دراية تامة بتفاصيل حياتهم عن قرب، ولا نتركهم هملًا لشياطين الإنس والجن يعبثون بهم كيفما شاءوا [محمد سعيد مرسي، كيف تكون أحسن مربي في العالم؟ ص:101 بتصرف].
المتابعة من طرف خفيّ..!
المتابعة الناجحة والتي تؤتي ثمارها هي التي تتم بطريق غير مباشر، ومن طرف خفيّ لئلا يشعر الأبناء – خصوصًا الصغار – بأنهم مراقبون وحركاتهم مرصودة؛ فيفتقدون الشعور بالحرية والتي هي حاجة أساسية من حاجات الطفل لابد من إشباعها.
وقد ينتج عن المتابعة كشف بعض السلوكيات السلبية غير المتوقعة، وهنا يجب ضبط النفس والتعامل مع الابن بطريقة حكيمة، واستحضار أنّ الهدف هو التربية والتصويب والتحسين، وليس الهدف من المتابعة هو تعداد الأخطاء والإذلال بها.
لابد أن يشارك الأب في المتابعة!
إذا لم يقم الأب بدوره في متابعة الأبناء وتوجهيهم، فلن تستطيع الأم وحدها – خصوصًا في مرحلة المراهقة - التحكم بهم أو حتى السيطرة على تصرفاتهم المتهورة مثل عدم احترام الآخرين، والتدخين، والتأخر عن المنزل، بالإضافة إلى مرافقة أصدقاء السوء، والأهم إهمال الدراسة والاستهانة بها.
متابعة الأداء الدراسي للأبناء:
من أهم صور المتابعة التربوية متابعة الأبناء في دراستهم، ويتضمن ذلك متابعة أدائهم للواجبات الدراسية والاستعداد للاختبارات داخل المنزل، إلى جانب التواصل الجيد مع المدرسة.
إنّ التّعاون بين الأسرة والمدرسة بات أمرا ضروريّا من أجل النّجاح والنّهوض بالعمليّة التّربويّة والتّعليميّة، لأنّ حياة التّلميذ الدّراسيّة لا تنفصل عن حياته اليوميّة في البيت، وتعدّ المدرسة شريكا أساسيّا في عمليّة التّنشئة الاجتماعيّة للطّفل بل وتعتبر الفاعل المؤثّر الأكثر أهميّة في حياته.
ولذا تعتبر مجالس الآباء والأمّهات واللّقاءات الأسبوعيّة القنوات أو الصّيغ التّربوية الأبرز لتحقيق هذا التّواصل والتّرابط بين البيت والمدرسة؛ فهي تهدف إلى إيجاد قناة رئيسة للتّواصل بين البيت والمدرسة، بما يحقّق التّكامل التّربوي التّعليمي.
ومن صور المتابعة زيارة الأولياء المستمرّة للمدرسة؛ فهي تكشف عن جوانب هامّة من شخصيّة التّلميذ، كالجانب الصّحّي، النّفسي، الانفعالي؛ ففي كثير من الأحيان لا يتمكّن المعلّم من اكتشافها في حجرة الدّراسة، وإنّما من خلال مثل هذه اللّقاءات.
وهذه المهمة تضطلع بها الأم غالبًا نظرًا لتواجدها في المنزل لفترة أكبر من الأب، فتتولى الاهتمام أكثر بأبنائها ومتابعة سير خطتهم الدراسية اليومية بدقة، مع ملاحظة أنّ مساعدة الأب لابنه في حل واجب معين، أو حفظ قصيدة، أو حتى حل مسألة رياضيات، ستعزز من قوة العلاقة بينهما، كما ستشجع الابن على أن ينظر إلى والده كصديق وقدوة صالحة يتشرب منها كل ما هو جيد [مصطفى الجبالي: أهمية التواصل بين الأسرة والمدرسة/مجلة المعرفة/شبكة الانترنت].
وأخيرًا، أعزائي المربين
إنّ من مفاتيح التربية الناجحة المتابعة الجيدة للأبناء، وملاحظتهم، وعدم الانشغال أو الغفلة عنهم؛ فحسن المتابعة من تمام النهوض بالمسئولية تجاه الأبناء؛ حتى نكون قد أخذنا بأسباب التربية أمام الله تعالى، أما الهِداية والتوفيق فمن الله تعالى أولًا و آخرًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- تذكرة السامع والمتكلم بأدب الطالب والمتعلم، ابن جماعة.
- كيف تكون أحسن مربي في العالم؟ محمد سعيد مرسي.
- الآن أنت أب، كريم الشاذلي.
- مجلة المعرفة، مقالة (أهمية التواصل بين الأسرة والمدرسة، مصطفى الجبالي).