د. أحمد قاسم الغامدي
إن جذور المجتمع لدينا تحترم السلطة الأبوية ولا زالت تلك البنية مسيطرة، فنرى العنف على سبيل المثال من الوالد أو العم أو الخال أو الأخ الكبير أو المدرس أمرا سائغا مع الناشئة في إطار معاييرنا الاجتماعية، إلا أن ذلك خطأ جسيم، لما يتولد عنه في التربية من أضرار.
إن المدرسة تعتبر مصبّا لجميع الضغوط الخارجية إذا أتى الطلاب المعنفون من قبل الأهل والمجتمع المحيط بهم إلى المدرسة ليفرغوا الكبت الكامن بسلوكيات عدوانية عنيفة وقد يقابلهم طلاب آخرون يشابهونهم الوضع بسلوكيات مماثلة فتتطور حدة العنف ويزداد انتشارها داخل المدرسة وتتخذ تحالفات كما تتخذ الجماعات تلك التحالفات من أجل الانتماء فيعزز عندهم تلك التوجهات والسلوكيات.
إن العنف مذموم في الدين, والرفق ممدوحة عواقبه، والخير كله يقوم على الرفق واللين والرأفة والرحمة ولا يقوم على العنف والشدة والغلظة والنقمة .
إن عدم وضوح قوانين المدرسة، بحيث لا يعرف الطالب حقوقه ولا واجباته، وعدم ملائمة مباني المدارس واكتظاظ الصفوف والتدريس غير الفعال وغير الممتع المعتمد على التلقين والطرق التقليدية، كل هذا وذاك يخلق العديد من الإحباط عند الطلاب ويزيد الأزمة ويدفعهم للقيام بمشاكل سلوكية تظهر بأشكال عنيفة وأحيانا بتخريب للممتلكات الخاصة والعامة، ويعزز ذلك استخدام بعض المعلمين للعنف وهم قدوة للطلاب، حتى لوحظ في الآونة الأخيرة تطور ليس فقط في كمية أعمال العنف وإنما في الأساليب التي يستخدمها الطلاب في تنفيذ السلوك العنيف ضد الطلاب من ناحية والمدرسين من ناحية أخرى.
إن العنف مذموم في الدين والرفق ممدوحة عواقبه والخير كله يقوم على الرفق واللين، والرأفة والرحمة، ولا يقوم على العنف والشدة، والغلظة والنقمة، قال رسول الله: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله) متفق عليه. وقال: (يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه) رواه مسلم. وقال: (من يحرم الرفق يحرم الخير). صحيح مسلم. وقال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) رواه مسلم. وقال: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) صحيح الجامع.
لقد كان الالتفات لظاهرة العنف عالميا في مطلع القرن العشرين نتيجة تطور وعي عام، خاصة بعد تطور نظريات علم النفس المختلفة التي أخذت تفسر سلوكيات الإنسان وتأثير الطفولة المبكرة على حياة الفرد فيما بعد، وضرورة توفير البيئة المناسبة لنمو الأطفال نموا جسديا ونفسيا سليما متكاملا.
ورافق ذلك نشوء العديد من المؤسسات والحركات التي تدافع عن حقوق الإنسان والطفل خاصة، حتى صاغت الأمم المتحدة اتفاقيات عالمية تهتم بحقوق الإنسان عامة وحقوق الطفل خاصة تنص على ضرورة حماية الأطفال من جميع أشكال الإساءة والاستغلال والعنف التي قد يتعرضون لها.
إن كل فعل أو ترك يقصد به الإضرار بالآخر جسديا أو نفسيا عنف محرم، والعنف له صور كثيرة منها السخرية، والاستهزاء، وعدم قبول الآخر أو عدم الاكتراث به أو إقصاؤه أو إهانته أو تخويفه أو تهديده أو الصراخ عليه أو عزله أو تذنيبه كمتهم، أو إسماعه كلمات بذيئة أو سبه أو تحقيره أو فرض الآراء عليه وتتفاوت درجات العنف لتصل للقتل والإفساد ولكل صورة درجتها من الإثم والضرر.
ويزداد الأمر سوءا حين تقع تلك الأفعال من مجموعة يمتلكون القوة والسيطرة فتجعل المتضرر عدائيا لتأثيرها على سلوكه، ووجدانه، وذهنه، وجسده، فالعنف بأشكاله المختلفة مخالف للدين وخطر على الوطن والمواطن، فهو قضية وطنية من الدرجة الأولى تقتضي من الجميع الارتقاء إلى مستوى ما تمثله مخاطر العنف من خلال اصطفاف وطني اجتماعي على نحو يوازي الجهد العالمي بعد أن أصبحت أضراره واضحة شملت كافة مناحي الحياة وبما أن الجانب الديني يلعب دورا أساسيا وبارزا في محاربة هذه الظاهرة فإن على العلماء والخطباء والمرشدين التوعية بمخاطر هذه الظاهرة، فالإسلام يتعامل مع مفهوم العنف والعقاب على أنهما مفهومان منفصلان ومختلفان، فيرفض العنف رفضا قاطعا وينهى عنه ويدعو إلى الرفق والعطف والتسامح والرحمة والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة، نعم نحن بشر قد نجتهد ويقع منا الخطأ والصواب إلا أننا أحق الناس بالرجوع عن الخطأ وامتثال أحكام التشريع الإسلامي وحكمته.

JoomShaper