لا يمكن أن تنشئ أطفالا متحدرين تماماً من مظاهر القلق.. ولكن رعايتنا لهم وعطفنا عليهم وحناننا وحبنا لهم منذ الشهور الاولى من حياتهم قد تحميهم بعد ذلك من المخاوف التي قد تتسلط عليهم فتجعلهم جبناء لا يقوون على شيء.. تلك المخاوف التي تعوقهم عن مواصلة حياتهم مع العالم الخارجي أو التغلب على مشاكلهم الحيوية..
أشد ما يهدد سلامة الطفل هو انفصاله عن رعاية أمه.. فلكي يستطيع الطفل تحمل هذا الانفصال لابد ان يعرف عن طريق التجربة الشخصية بأن الشخص الذي كان يعتمد عليه في حياته وبعده عنه سيعود إليه يوما ما.. وانه

سيلقى من غيره أثناء هذا الغياب الرعاية والعناية نفسها والاهتمام.. هذا الشعور يسبب له ارتياحاً نفسياً.. وبدون هذا الشعور سيعتقد الطفل بأن الذي ذهب لن يعود وانه لن يجد الراحة إلا إذا عادت أمه حقيقة.. ويتسنى للطفل عادة في الظروف العادية ان يتحمل هذا الانفصال دون ان يكون له أثر في مستقبل حياته إذا أعاد رجوع أمه إليه أمنه وطمأنينته.. ولكن الانفصال الطويل المتكرر قد يحدث عنده جرحا انفعاليا يصعب اندماله.
وأحيانا يهدد الوالدان طفلهما بالافتراق عنه.. وقد يؤدي هذا بالفعل إلى ان يسلك سلوكا يرضيهما.. ولكن هذه التهديدات قد تسبب في الوقت نفسه عند الطفل شعوراً بالقلق ناجماً عن اعتقاده بأن والديه سيختفيان عنه يوما ما..
وكذلك ان الاطفال يتجنبون الناس أو المواقف التي سببت لهم ضيقا أو ألما يوما ما.. فإذا دخل الطفل مكانا جديدا عليه وصادف فيه خبرة سببت له ألما أو ضيقا فقد يعمل على تجنب هذا المكان.. فالطبيب الذي تألم الطفل مرة في عيادته يصبح بعد ذلك مصدرا لخوفه كلما اقترب من عيادته..والمدرّسة القاسية قد تترك وراءها في نفس الطفل أثرا من الخوف من المدرسة.
والأطفال الذين يسودهم القلق يعملون دائما على حماية انفسهم من المواقف الجديدة. فهم يودون دائما ان يجدوا أمامهم كل ما اطمأنوا إليه من تجاربهم السابقة.

وجدان الجزيرة - جريدة الراية

 

JoomShaper