د. بشير أبو حمّور - يُمثِّلُ الأطفالُ الموهوبونَ ثَروةً وطنيَّةً، وتَحدِّيا، ومَورداً غنيَّاً للمَدارسِ والمُجتمَعِ في الوقتِ نفسِهِ.
ولذلكَ فَعلى المُربِّينَ مسؤوليَّةٌ أخلاقيَّةٌ ووطنيَّةٌ لتوفيرِ البرامجِ المُلائِمَةِ للطَّلبةِ الموهوبينَ والتي تُلائِمُ حاجاتِهم التَّعليميَّةِ المُتقدِّمةِ. نَمُوذجيَّاً، يجبُ أنْ يكونَ جميعُ المُعلِّمينَ مؤهلينَ للتَّعاملِ مع الطَّلبةِ الموهوبين، وبحيث يتمُّ التَّعاونُ معَهُم ومع أولياءِ أمورِهم لِخَلقِ تجربةٍ تعليميَّةٍ داعمةٍ ومُمَيِّزةٍ لهؤلاءِ الأطفال، ومع هذا فإنَّ نتائجَ الدراساتِ ومُلاحظاتِ العاملينَ في المَيدانِ تُشيرُ إلى نَقصِ الخبراتِ المُؤهَّلةِ للتَّعرُّفِ على هؤلاء الطلبةِ والتَّعامل معهم بالطُرُقِ العِلميَّةِ المُناسبةِ.
وعلى الرُّغمِ من أنَّ مَعاييرَ تحديدِ الطَّلبةِ الموهوبينَ تختلفُ من دولةٍ لأخرى، إلا أنَّ معظمُ دولِ العالمِ تَتَّفقُ على أنَّ الطَّلبةِ الموهوبينَ يُظهِرون واحدةً أو أكثرَ من الخصائصِ التَّالية:
المُفرداتُ اللُّغويَّةُ الغنيَّة، الذَّاكرةُ القويَّةُ، الاهتمامُ بشؤون الكِبار (وخصوصاً فيما يتعلَّقُ بالصّوابِ والخطأ)، القُدرةُ على الانتباه المُستمِر، كُرهُ المَهام الرُّوتينيَّة، التَّكيُّف السَّريعُ، الخيالُ الخصبُ، النَّقدُ الذَّاتي، القُدرةُ على الانتباهِ المُستمر، الأفكارُ الأصيلةُ، إجادةُ المَهمَّاتِ المُتعدِّدة، القُدرةُ على الفَهمِ السَّريع، تقبُّل المفاهيمِ المُعقَّدة، تقديمُ النَّفسِ بشكلٍ

جيِّد، التَّعلم بسهولة، يتطلَّبُ القليلَ من التَّوجيهات، يتمتَّع بالعملِ وحده، العِناد، الحساسيَّةُ المُفرطة، الفُضول الزَّائد، دقَّةُ المُلاحظة، القِيادة، تقبُّلُ المُخاطرة، النَّهمُ في القراءة، التَّفكير غيرُ النَّمطي، التَّمتُّعُ بالتَّحدِّيات الفكريَّة، السَّعي نحو الكمال، النَّقدُ السَّاخر والفَكاهة، وحلُّ المشكلات بطرُقٍ مُبتكرَة.
ولسوءِ الحَظِّ فإنَّ نتائجَ البحثِ العلميِّ تُشيرُ إلى أنَّ حصولَ الطَّلبةِ الموهوبينَ على درجاتٍ عاليةٍ في اختبارات الذَّكاءِ وغيرِها من المَعاييرِ المُستخدَمَةِ في تحديدهم، لا يضمنُ لهم النَّجاحَ في المدرسة. فبعضُ هؤلاءِ الطَّلبةِ قد يعاني من ضَعفِ التَّحصيلِ الأكاديميِّ نتيجةً لمجموعةٍ من المشكلاتِ التَّعلميَّةِ والسُّلوكيَّةِ التي تُؤثِّرُ على أدائهم ومنها:
- عاداتُ الدراسة السيئة مثل المزاجية وعدم الانضباط في العمل الدراسي.
- صعوباتُ التَّعلُّمِ في واحدةٍ أو أكثرَ من المواضيعِ الدِّراسيَّة.
- عدمُ الانتباه.
- ضَعفُ الدَّافعيَّةِ وعدمِ الاستمتاعِ بالدِّراسة.
وقد يُعاني الأطفالُ الموهوبونَ من صعوباتِ التَّعلُّم، أو أيِّ عجزٍ آخرٍ مع ذكائِهم العالي جداً. مع العِلمِ أنَّه في كثيرٍ من الأحيانِ لا تُكتشَفُ هذه الصعوباتُ لدى هؤلاء الطَّلبةِ بسببِ استخدامِهم لذكائِهم من أجلِ التَّعويضِ عنها. فمثلاً قد يُظهرُ الطَّلبةُ الموهوبونَ قُدرةً متميَّزةً جِداً في حَلِّ المسائلِ الرِّياضيَّةِ المُعقَّدة، ومع هذا يكونُ لديهم صعوبةً في حفظِ بعضِ المَهمَّاتِ البسيطة. أو قد يُظهرُ الطالبُ الموهوبُ تفوقاً في فَهمِ أحدِ المواضيعِ الدِّراسيَّة، ولكنَّه غيرُ قادرٍ على الكِتابةِ بشكلٍ مقروءٍ حول هذا الموضوع (مثال: عانى عالِم الفيزياء الشَّهير»ألبرت اينشتاين» من مشكلاتٍ في النُّطقِ وصعوباتِ القراءة). وفي حالاتٍ أُخرى قد يُعاني الطالبُ الموهوبُ من أحلامِ اليَقظةِ، ولكنَّه يَفهمُ كلَّ ما يدرسُ في الغرفةِ الصَّفيَّة.
والعديدُ من الطلبةِ الموهوبينَ قد يَميلوا إلى التَّخريب (عدم الانضباط) عِندما يُعاد تدريسُهم لموضوعٍ قد أتقنوه مُسبقاً. وبناءً على ما سبقَ ذِكره، ونَظراً لتنوُّعِ الخصائصِ السُّلوكيَّةِ والشَّخصيَّةِ لدى الطَّلبةِ الموهوبين، يحتاجُ المربونَ أنْ يكونوا مُتفتِّحي الذِّهن عند النَّظرِ لحاجاتِ هؤلاءِ الطَّلبة.
أماَّ فيما يتَعلَّقُ بأشهرِ البرامجِ المُقدَّمةِ للطَّلبةِ الموهوبين، فهي تتَمثَّلُ بتنَظُّمِ الطَّلبةِ الموهوبينَ من الصُّفوفِ الدِّراسيَّةِ المُختلفةِ على شَكلِ مجموعاتٍ صَغيرةٍ في مَجالِ الموهبَةِ المُحَدَّدِ (مثال: الشِّعر، الرِّياضيَّات، الفيزياء)، ثُمَّ يُقدَّمُ لهم التدريب من قِبَلِ المُعلِّمِ أو المُدرِّبِ المُتخَصِّصِ. وهذا بدوره يُتيحُ للطَّلبةِ الموهوبينَ فُرصَ التَّفاعلِ مع أقرانِهم من ذوي القُدراتِ المُتشابهة، ولتحدِّي قُدراتِهم الفكريَّةِ، ولتلبية احتياجاتِهم الاجتماعيَّةِ والانفعاليَّة. هذا بالإضافةِ إلى أنَّ التِقاءَ الطَّلبةِ الموهوبينَ على شَكلِ مجموعاتٍ صغيرة يُعتبرُ فرصةً لتفريغِ الضَّغطِ الكبيرِ على هؤلاء الأطفال، والنَّاجم عن اختلافِهم عن غيرِهم من الطَّلبة، من خلال النِّقاشِ المفتوح. ففي كثيرٍ من الأحيانِ يُساءُ إلى الطَّلبةِ الموهوبينَ من خِلال التَّفكيرِ النَّمَطِيِّ الشَّائعِ والذي يُفترضُ به أنَّ الطالبَ الموهوبَ «ذكيٌّ»، ولهذا يجبُ أنْ يعرِفَ ويُتقنَ كلَّ شيء. ومع ذلك فإنَّ نتائجَ البحثِ العلميِّ تُشيرُ إلى أنَّ الطِّفلَ الموهوب لا يتميَّزُ في المواضيع كلِّها، فالموهبةُ مُحدَّدةٌ وليست عامَّة (مثال: قد يتميَّزُ الطِّفلُ الموهوبُ في الرِّياضيَّاتِ ويُظهرُ قدرةً عاديَّةً أو حتَّى صُعوبةً في تعلُّم ِاللُّغة). ومن الفوائدِ الأخرى لمجموعاتِ الموهوبينَ, هي إتاحةُ الفرصةَ لهم لتحقيقِ أقصى إمكاناتِهم في مجالِ الموهبةِ المُحدَّدِ من خِلالِ التَّكاملِ والعملِ المُشترك.
وتكمُنُ الصُّعوبةُ في أنَّ العديدَ من الطَّلبةِ الموهوبين ليسوا محظوظين بما فيه الكفاية ليحصلوا على مُعلِّمٍ مُتخصِّصٍ للعملِ مباشرةً معهم، وأنَّ الغالبيَّةَ العُظمى من هؤلاءِ الطَّلبةِ يَقضونَ وقتَهم في الصَّفِّ العادي بدون الحصولِ على خدمات خاصَّةٍ تتناسبُ مع موهبتِهم. وبما أنَّ المعلمين ملزمون بتلبيةِ حاجاتِ طلبتِهم جميعاً، وبما فيهم الطَّلبةُ الموهوبون، فُهم بحاجةٍ إلى:
1- فَهمِ الخصائصِ المُختلفَةِ للطَّلبةِ الموهوبينَ وتقَبُّلها، وإظهارِ اهتمامٍ أصيلٍ وحقيقيٍّ بالطَّلبةِ الموهوبينَ والذين قد يتعلَّمون بشكلٍ أسرع أو مختلفٍ عن الأطفال الآخرين.
2- توفيِر الفُرصِ التَّعليميَّةِ المُناسبةِ لهؤلاء الطَّلبةِ والتي قد تَتضمَّنُ تكثيفَ المِنهاج، أو تسريعَ التَّعليم، أو التَّعمُّقَ في موضوع الموهبة.
3- الاستفادةِ من اهتماماتِ الطَّلبةِ الموهوبينَ وتحفيزِهم على اختيارِ المشاريعِ التي من شأنِها تحفيزُ التَّفكيرِ والاكتشافِ لديهم، ومن ثَمَّ تشجيعُهم على مشاركةِ هذه المشاريعَ مع غيرِهم من الطَّلبةِ والمؤسَّساتِ المجتمعيَّةِ الأخرى.
4- تشجيعِ المزيدِ من الِّدراسةِ من خلال تعريضِ الطَّالبِ الموهوبِ للخبراتِ الإيجابيَّةِ مثل دعوةِ الضُّيوفِ المتميِّزينَ والذين يجمعُهم اهتمامٌ مشتركٌ مع موهبةِ الطِّفل.
5- إدخالِ أساليبِ الَّتحقُّقِ، والتَّفكيرِ الإبداعيِّ الأصيلِ في الدُّروسِ اليوميَّةِ عن طريقِ طرحِ الأسئلةِ المفتوحَةِ والمُتشعِّبةِ، وبتضمينِ أساليبِ حَلِّ المُشكلاتِ في المِنهاج.
6- التَّعرُّفِ على المواردِ المُجتمعيَّةِ المُتاحةِ للطَّلبةِ الموهوبينَ ومساعدةِ الطَّلبةِ الموهوبينَ وأسرِهم في الحصول عليها.
7- تشجيِع نموِّهم الاجتماعيِّ والانفعاليِّ من خلالِ القراءة، لعِبِ الأدوار، وغيرِها من النَّشاطاتِ التي تزيدُ من الوعي الذَّاتيِّ، وتنميةِ الشَّخصيَّة، والتَّعاطف، والقُدرةِ على حَلِّ المُشكلات، ومهارات الاستماع.
8- وأخيراً المُحافظةِ على التَّواصلِ والتَّعاونِ الفعّالِ مع أولياء أمورِ الطَّلبةِ الموهوبينَ لكي تدعمَ البيئةُ المنزليَّةُ العملَ المُنجَز في المدرسة.
9- وأخيرا ،يجب التأكد مرة أخرى بأن المعلمين ، وبكافة تخصصاتهم يجب أن يحصلوا على التدريب وأن يمتلكوا المهارات الأساسية لمساعدة الطلبة الموهوبين في كافة المدارس.

JoomShaper