أبواب - د. بشير أبو حمّور - كثيرا ما يقولُ الأبناءُ لوالديهم «ليس الآن، في وقتٍ لاحق، أو يوم غَد» عِندما يطلبونَ مِنهم إتمامَ أعمالِهم المَنزليَّةِ أو حَلِّ واجباتِهم المَدرسِيَّة. وقد يكونُ التَّأجيلُ من الخَصائِصِ الطَّبيعيَّةِ التي نُظهِرُها في حياتنِا بقدرٍ ما، ولكنْ هناكَ فرقٌ كبيرٌ بين مَن تَظهَرُ لديه هذه المشكلةُ بين الحِينِ والآخر، وبينَ مَن تحوَّلتْ مُشكِلةُ التَّأجيلِ في حياته إلى نَمطٍ مُعطَّلٍ ومُعيقٍ لمُمارسَةِ الحياةِ اليوميَّة. هذا ويَظهرُ التَّأجيلُ أو التَّسويفُ أو المُماطلةُ على أشكالٍ مُتعدِّدةٍ ومنها: عدمُ بَدء المَهمَّةِ حتَّى اللَّحظةُ الأخيرةُ، الفَشلُ في إتمامِ المَهمَّةِ المُوَكَّلةِ ضِمنَ الإطارِ الزَّمنيِّ المُحدَّدِ، أو حتَّى تأجيلِ القيامِ بالمَهمَّةِ الأهمِّ مِن أجْلِ القِيامِ بمَهمَّاتٍ هامِشيَّةٍ أُخرى. وبالنِّسبِة للأطفالِ، غالباً ما تنْجُمُ نتائجٌ سلبيَّةٌ عن التَّسويفِ مثل العلامات السيِّئةِ في الامتحانات، وعدمِ المَقدرةِ على المُشاركةِ في الأنشطةِ اللامنهجيَّة، أو حتى القلقِ الزَّائدِ والضَّغطِ النَّفسي. وإذا كان طفلُكَ يواجه هذه العواقبَ السَّلبيَّةِ على أساسٍ مُنتظَمٍ، فإنَّه من المُرجَّحِ أنَّه يعاني من مُشكلةِ التَّسويفِ. ولحسنِ الحظِّ هنالِك مجموعةٌ من الخُطواتِ التي يُمكنُ اتِّخاذُها
للتَّخلُّصِ أو الحَدِّ من هذه المُشكلةِ السُّلوكيَّة، ولكن يجبُ التَّركيزُ على أنَّ جُزءًا كبيرا من الحَلِّ هو فَهمُ الوالدانِ الفعالَ لأسبابِ مُشكلةِ التَّأجيل.
فَهم سُلوكِ التَّأجيلِ، أو التَّسويفِ، أو المُماطلةِ
هناك فِكرةٌ خاطئةٌ مُفادُها أنَّ الأطفالَ يُماطلونَ فَقَط لأنَّهم كُسالى أو أنَّ الدَّافِعيَّةَ لديهم مُنخفِضَة، وهذا تَبسيطٌ مُبالغٌ فيه لأسبابِ المُشكِلَةِ. ففي حينِ أنَّ العواملَ السَّابِقةِ قد تكونُ مُساعِدةٌ لظُهورِ المُشكلةِ، فهناكُ العديدُ من العَوامِلِ الأُخرى التي يجبُ التَّركيزُ عليها، ومنها:
1- قِلَّةُ الارتباط: حيثُ لا يَجدُ طفلُك علاقةً مِهمَّةً بينَ ما يَطلبُ إنجازُه من مَهامٍّ وبينَ أهدَافِه الحاليَّةِ والمِستقبليَّة (مثال: عدمُ ربطِ تعليمِ الرِّياضيَّاتِ بمُشكِلاتِ الحياة اليوميَّة).
2- المَلل: ببساطةٍ، فإنَّ بعضَ المَهامِّ ليست جذابةً بما فيه الكِفاية للطِّفل (مثال: مُعظمِ الأطفالُ لا يجِدون تنظيفَ الغُرفةِ على أنَّها مَهمَّةٌ مُمتِعَةٌ أو نشاطٌ جَذَّابٌ).
3- قِلَّةُ الضَّبطِ الذَّاتيِّ: مَعرفَةُ أنَّ عليكَ القِيامَ بمَهمَّةٍ ما، تَختلِفُ عن مَقدرتِكَ على البَدءِ بالمَهمَّةِ. حيثِ يُواجِه الأطفالَ عددٌا مُتزايدٌا من المُشتِّتاتِ والتي تجعلُ من الصَّعبِ على الأطفال تحديدُ أولوياتِهم والالتزامِ بالخُطَطِ التَّنفيذيَّةِ لتحقيقِ المَهامِّ النِّهائيَّة.
4- سوءُ إدارةِ الوقت: العديدُ من الأطفالِ يُقلِّلون من قِيمةِ الفترةِ الزَّمنيَّةِ التي يحتاجونَها لإنجازِ المَهمَّةِ المَطلوبةِ بشكلٍ جيِّد. وبناءً عليه، فإنَّهم يؤجِّلون البَدءَ في المَهمَّةِ لاعتقادِهم أنَّ هناك ما يكفي من الوقتِ لإكمالِها.
5- القلقُ والخوفُ من الفَشل: بعضُ الأطفالُ غيرَ قادرين على البَدءِ بالمَهامِّ المَطلوبةِ لأنَّهم يخشونَ أنَّ أداءَهم لن يُلبِّيَ توقُّعاتِهم الشَّخصيَّةِ أو توقُّعاتِ الآخرينَ مِنهم. وعندَ المُبالغةِ في القَلقِ فإنَّه يتحوَّلُ إلى مُشكلةٍ أخرى تُسمَّى «الكماليَّة الزَّائدة» والتي تُعتبرُ مُعطِّلةً للعملِ نتيجةً للاعتقادِ أنَّ أيَّ عملٍ غيرَ كاملٍ هو عملٌ غيرَ مقبول.
الحُلولُ المُقترحَةُ
لفَهمِ سُلوكِ المُماطلةِ لدى طفلك، فأنتَ تحتاجُ للحديثِ مع طفلك بِصراحةٍ وأنْ تسمعَ منه وجهةَ نظرِه. نموذجيَّاً، يُبدي الأطفالُ استعداداً أكبرُ لمُشاركةِ مشاعرِهم عندما يَشعرونَ بالدَّعمِ والفَهمِ الأصيلِ لحاجاتِهم ومَخاوفِهم. وعلى النَّقيضِ فإنَّ إصدارَ سلسلةٍ من العواقبِ قدْ تُؤدِّي إلى تفاقُمِ مشاعِرِ خيبةِ الأملِ لديهم نحوَ أنفسِهم ونحوَ والديهم. وكما أنَّ الطَّبيبَ لا يستطيعُ أنْ يعالجَ المريضَ من الصُّداعِ على نحوٍ فعَّالٍ دون معرفةِ السَّببِ الكامن وراءه (مثال: الجَفافُ، الحساسيَّةُ، ارتجاجُ المُخ، أو الورم)، فإنَّ الوالدانِ لن يستطيعا أنْ يوقِفوا طفلَهم عن المِماطلةِ إلا إذا كانَ لديهِم تَفهُّما جيَّدا لدَوافِع السُّلوك. وبناءً عليه إليك النَّصائحَ الخَمسةَ التَّالية للتَّعاملِ مع طفلك عندما يُصبحُ قلقُه معيقاً للعملِ على المَهمَّاتِ الضَّروريَّة، ويصبِحُ التَّأجيلُ عادةً في حياتِه:
1- تحدَّث وحاورْ وأسأل طفلك. تعرَّفْ على الكيفيَّةِ التي ينظرِ بها طفلُك لذاتِه، توقُّعاتِه وطموحاتِه والواقع الذي يعيش فيه. اطرح أسئلة مثل: «ما هي المعاييرُ التي تضعها لنفسِك؟» «ما الذي نتوقَّعه منك؟» و»ما الذي سيحدُثُ إذا لم تنجِزِ المَهمَّةَ المطلوبةَ ضِمنَ المعاييرِ المُحدَّدة؟». إنَّ الفَهم الجيِّد من قِبل الوالدين لإجاباتِ طفلهم سيساعدُهم على اختيارِ التَّدخُّل المناسب لمساعدته.
2- كُن واضِحا في توقُّعاتك. حيثُ يميلُ الأطفالُ إلى المُبالغةِ في تقديرِ توقُّعاتِ الوالدين، ولذلك تأكَّد من أنَّك واضحٌ وواقعيٌّ فيما تتوقَّعه من طفلك (مثال: من المُفيدِ للأطفالِ التَّركيزُ على جُهدِهم وعملِهم المَبذولِ في الدِّراسةِ أكثر من التَّركيزِ على العلامَةِ النِّهائيَّة فقط).
3- علِّم مهاراتِ حَلِّ المُشكلات. حيثُ يمكنُك تدريبُ طفلِكَ على استخدامِ الاستراتيجيَّاتِ الفَعَّالة لحَلِّ المُشكلات (مثال: تحليلُ المَهامِّ إلى أجزاءٍ أكثرُ قابليَّةٍ للإدارةِ أو وضعِ أهدافٍ صغيرةٍ قابلةٍ للتَّحقيقِ من أجلِ الوصول إلى الهدفِ الكبيرِ، ومُساعَدةِ طفلِك على فَهمِ كيفيَّةِ وضعِ الخُطَطِ العِلاجيَّةِ الفَعَّالة لحَلِّ المُشكلة).
4- سلِّط الضَّوءَ على الصِّفاتِ الإيجابيَّة. اطلبْ من طفلك أنْ يُحدِّدَ السِّماتِ والخصائصَ التي تُؤدِّي إلى السَّعادةِ والنَّجاحِ، الإبداعِ في العملِ، والتَّميُز في الحياة بشكلٍ عام. إنَّ التَّركيزَ على الجوانبِ الإيجابيَّة يُساعدُ طفلَك على العملِ على تطوير نفسِه وتعزيزِ ثقتِه بنفسِه، والتَّوقُّفِ عن المُماطلة.
5- استخدم تجاربَك الشَّخصَّية للتَّواصل مع طفلك. إنَّ الكشفَ الذَّاتيِّ عن المَصاعِب والمَخاوفِ الخاصَّة بِك يُساعدُ طفلَك على تَفَهُّمِ مخاوفه ويُقدِّمُ له نموذجاً أصيلاً لحلِّ المُشكلات.
والخُلاصةُ هي: تَذَكَّر أنَّ هدفَك هو مُساعدةُ طفلَك على تَعلُّمِ وضعِ توقُّعاتٍ مَعقولةٍ في العملِ والحياة، وتَجنُّبُ التَّأجيلِ والمُماطلة. حيثُ تُشيرُ نتائجُ البحثِ العِلمِيِّ إلى أنَّ الخوفَ والقَلقَ يُدارانِ بشكلٍ أفضلَ من خِلالِ العملِ ومُحاولةِ النَّجاحِ في المَهمَّةِ المطلوبةِ بدلاً من تَجنُّبِها. وبِلغَةٍ أُخرى، إنَّ القَلقَ والخوفَ من العَملِ لا يتبَدَّد مع مرورِ الوقت، ولكنَّه يَقِلُّ من خِلالِ الجُهدِ المُتواصلِ الذي يؤدِّي إلى النَّجاح. كما أنَّ دعمَ الوالدين المُتواصِلِ، وتدريبِ الطِّفلِ على أساليبِ معالَجَةِ المُشكلاتِ والاستخدامِ الذَّكيِّ للوقتِ تُعتَبرُ من الأساليبِ العِلميَّةِ الفَعَّالةِ للحَدِّ من مشكلةِ التَّأجيلِ أو التَّسويفِ أو المُماطلة.