خليل الفزيع
انشغلت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة بنقل مقاطع فيديو يتعرض فيها الأطفال للضرب، بعضها بسبب واضح مثل الردع عن بعض الأخطاء والتصرفات غير المقبولة، وبعضها بسبب غير واضح للمشاهد، وإنما هو في النهاية ضرب يبلغ في قسوته حد القلق على مستقبل الطفل عندما يتعرض لمثل هذا الضرب، ومع تكرار مشاهد ضرب الأطفال، يبرز سؤال: هل هذا السلوك يشكل ثقافة تربوية عامة في مجتمعنا؟. وهل هو إرث تاريخي توالى علينا منذ القدم؟.
الواقع أن ظاهرة ضرب الاطفال هي ظاهرة موجودة في معظم المجتمعات لذلك لا يمكن اعتبارها ثقافة عامة تقتصر على مجتمعنا دون غيره من المجتمعات، أما عن كونه إرثا تاريخيا انتقل إلى الحاضر من الماضي، فهذه أيضا فكرة تفتقر للدقة، لان السلوكيات الموروثة غالبا ما يطرأ عليها التغيير نتيجة عوامل كثيرة، سواء كانت هذه السلوكيات حسنة أو سيئة، والمجتمعات غالبا ما تتخلى عن بعض السلوكيات غير الملائمة، فالظروف هي التي تؤصل بعض القيم السلوكية أو تنبذها، لكن ما علينا القيام به هو أن نتعامل مع ضرب الأطفال كحقيقة واقعة، نشاهدها في مجتمعنا كما هي في المجتمعات الأخرى، لكننا لا نتعامل معها كما تتعامل معها تلك المجتمعات من حيث توفر الأنظمة الصارمة التي تحرم ضرب الأطفال، والتي قد تصل في بعض البلدان إلى حرمان الأسرة من طفلها المعنف إذا تكرر ضربه، بواسطة أحد أبويه، حتى وإن كان الضرب لتعديل السلوك، وثمة وسائل لتعديل
هذا السلوك ليس منها الضرب على كل حال.
ومن المتفق عليه لدى علماء النفس والاخصائيين التربويين والاجتماعيين أن الضرب يولد غالبا تشوها نفسيا وسلوكيا لدى الأطفال، وربما الانحراف الأخلاقي في الصغر والعنف في الكبر بدافع الانتقام من المجتمع الذي لم تحمه انظمته من الضرب، وربما عاش الطفل منهزما ومنعزلا عمن سواه من الأطفال، فينشأ ضعيف الشخصية ولا يثق في نفسه، وقد يدفعه هذا التهجين إلى الارتماء في أحضان من يجد لديه الاهتمام بعد أن عاش محروما من هذا الاهتمام، وتجد المنظمات الإرهابية فرصتها في احتواء هذا النوع من الشخصيات المهزوزة لتجنيدها في مهماتها الانتحارية، وأسهل من ذلك أن ينتقم الطفل لنفسه عندما يكبر من ابنائه، فيتعامل معهم كما كان والده يتعامل معه من الضرب وعن أقل الأسباب وأتفهها، وفي النهاية يظل الطفل المعنف بالضرب أو سواه خطرا على أسرته ومجتمعه ووطنه، لذلك ترتفع الأصوات بل وتجأر بالشكوى مطالبة بأساليب تربوية لا تعرف الضرب أو العنف ضد الأطفال، ربما قال قائل من الكبار إن الضرب لم يؤثر فيه سلبيا، بل قومه ليصبح على ما هو عليه من استقامة ونجاح، وهذا صحيح، لكن الظروف لم تعد هي الظروف، والمتغيرات الاجتماعية تفرض التعامل مع الأطفال بأساليب تربوية جديدة، من أجل ذلك سنت الأنظمة والقوانين لحماية الطفل من العنف ومنه الضرب، والمهم هنا أن يعرف الناس بهذه الأنظمة والقوانين حتى يمكن الاستفادة منها، وإلا ستظل في ملفات الإدارات التي أصدرتها ولن يستفد منها أحد.
طفل اليوم ليس كطفل الأمس، فهو اليوم يناقش من هم أكثر منه سنا، ويعترض على سلوكياتهم إذا لم يرض عنها، حتى بالنسبة لوالديه وليس فقط من يكبره سنا، بل إنه يحمل والديه مسئولية الأخطاء التي يرتكبها نتيجة انشغالهما عنه بالعمل أو غيره، وترك أمور تربيته للخادمات، وقد اختفت ظاهرة الطفل الأرنب، لتحل محلها ظاهرة الطفل المتمرد الذي لا يخشى سطوة والديه أو معلميه، ومع هذه المتغيرات لا بد من أساليب تربوية جديدة، لا تخلق من الكفل عدوا لوالديه أو لأقرانه، بل تجعله ابناً محبا ومطيعا لوالدية أولا، وقريبا من أقرانه وحريصا على صداقتهم. وهذا ما أوصانا به ديننا الحنيف، وفي تعاليمه ما يمكن أن يغير نظرتنا للطفل ككائن لا حول له ولا قوة.