إعداد: حمود الضويحي
تشغل تربية الأبناء بال الكثيرين منذ القدم فكل شخص يريد أن يربي أبناءه تربية صالحة تجعل منهم رجالاً يعتمد عليهم ويعتمدون على أنفسهم ليشقوا طريقهم في الحياة.. فبذل الجيل الراحل أقصى جهدهم في تحقيق تلك الغاية وتركوا للأجيال اللاحقة نتاج تجارب وخبرات متراكمة لا يزال يستفيد منها جيلنا الحاضر إلى الآن، فرغم قساوة العيش وقلة ذات اليد والمشاغل الكثيرة التي كانوا يبذلون جلها في تأمين لقمة العيش إلا أن ذلك لم يثنهم عن مراقبة فلذات أكبادهم وتربيتهم التربية الحسنة بل وإشراكهم منذ الصغر في تحمل أعباء الحياة وهم حديثو السن مما جعل منهم رجالاً في أعمار الطفولة فاستطاعوا تحمل مشاق العمل والسفر إلى أرجاء البلاد من أجل الحصول على لقمة العيش، وصاروا سنداً لأهلهم ويعتمد عليهم في إنجاز ما يوكل عليهم، مما منحهم الثقة والتقدير وتحمل لنا قصص الأجداد خير شاهد على ذلك.
متغيرات الترف والانفتاح أفرزت الاتكالية والتمرد في جيل خارج سيطرة الاحتواء
وفي عصرنا الحاضر نرى البون شاسعاً في طريقة التربية والتعامل مع الأبناء بالنظر إلى الماضي القريب فالتربية صارت متعبة وصارت تربية الأبناء أشد صعوبة من ذي قبل وذلك لوجود كثير من المتغيرات والتي من أهمها الترف الزائد الذي يعيشه جيل الأبناء مما جعل منهم عالة على والديهم لوقت قد يطول ببعضهم لسنين طويلة، وتغير الوضع فبعد أن كان الآباء قديماً يرجون من أبنائهم الذين يستكثرون منهم أن يكونوا لهم عوناً على الحياة وتقلباتها باتوا يأملون أن يكفوا أنفسهم ولا يكونون عبئاً عليهم متذكرين نصيحة الشاعر حميدان الشويعر التي قالها منذ قرون في قصيدة تضمنت أبياتها حكماً عديدة ومن أهمها هذا البيت:
ترى العيلان إلى كبروا
يا جود اللي يكفي روحه
هيبة وقسوة
من أهم الأشياء التي كانت تميز الآباء في الجيل السابق هي الهيبة المفرطة أحياناً حيث كان الأب يحظى بمكانة كبيرة في المنزل فهو الآمر والمتصرف فيه وليس لأحد معارضته في أي إجراء يتخذه بل ولا يثنيه عن ذلك تدخل أكبر من في البيت حتى ولو كان الأم نفسها، لذا فان أمر الأب كان نافذاً والكل يطيعه بدون مناقشة، ولا يجرؤ أي أحد على مناقشة أبيه وذلك هيبة منه وخوفاً، وكان الأب يملي على بنيه ما يريدهم أن يكونوا عليه من تعامل مع الناس كما أنه يحذرهم من الوقوع في الأشياء غير المرغوبة في المجتمع، وعند مخالفة أمره تراه يوقع عليهم العقاب البدني الشديد مما يجعلهم دائماً حذرين خوفاً من العقاب ومهابة له، وقد كانت تلك القسوة من الأب والتي يصاحبها العقاب الشديد في أغلب الأحيان أمر منتشر بين الآباء في الفترة الماضية وليس ذلك دليلاً على كره الأب لبنيه ولكن كانت قسوة الحياة نفسها وانهماك الآباء في العمل الذي يجعلهم يغيبون الساعات الطوال التي قد تستغرق اليوم بأكمله من أجل تأمين لقمة العيش تجعله يعود إلى البيت منهكاً طلباً للغذاء والراحة مما يجعله لا يعطي أبناءه الوقت الكافي من الحب والحنان والعطف، ولذا تجده يتعامل معهم بكل قسوة وجلافة ويبادر إلى ايقاع العقاب البدني عند ارتكابهم لأي خطأ كان، وقد ينفر الأبناء من البيت بسبب هذا التعنيف المتكرر والعقاب الشديد وقد نسمع كثيراً قصصاً عن أبناء هجروا بلدانهم وهم في عمر الصبا هروباً من تلك التربية القاسية ومكثوا سنين عديدة كونوا فيها ثروة وتزوجوا وأنجبوا أطفالاً فرجع من رجع منهم بعد أن كبر فأدرك منهم والده فاستسمحه لغيابه الذي يراه في نظره مبرراً بينما عاد من عاد منهم بعد أن فارق والده الحياة فبقيت تلك غصة في حلقه كلما تذكرها، بينما القلة منهم قد غادر بلده وأهله وامتلك بيتاً وحظي بعمل جيد يقتات منه وكون له أسرة وعاش في بلاده التي هاجر إليها ولم يعد إلى موطنه إلى أن مات.
القدوة
من أفضل وأسهل عمليات التربية هي التربية بالقدوة والتنشئة الحسنة منذ الصغر فقد قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا
على ما كان عوده أبوه
فاذا كان الوالد قدوة صالحة لأبنائه فإنهم لابد أن يتأثروا بأبيهم ويحاولون أن يحذوا حذوه في الحياة ومما يساعد على اقتداء الأبناء بآبائهم هي كثرة الاحتكاك بهم ومخالطتهم وفتح باب الحوار معهم في كل وقت وحين، بل واصطحابهم معه عند خروجه من المنزل إلى السوق أو المناسبات ليحتكوا بالناس ويكتسبوا الخبرة مما يستمعوه في هذه المجالس من محاورات هادفة أو قصص وأشعار ومواقف وطرف ومواعظ، كما يكتسبون طريقة المعاملة مع الغير ويكتسبون الخبرة في انجاز الأعمال التي تتطلب الصبر والجلد مما يجعلهم مؤازرين لآبائهم ومعينين لهم في جميع أمور الحياة ويصيرهم محل اعتماد وثقة خلال غياب الأب عن البيت لأي ظرف طارئ.
المتابعة
ومن أنجح الإجراءات التي يتخذها الآباء منذ القدم والى الآن هي المتابعة المستمرة طوال الوقت حيث كان الأب مثلاً على معرفة تامة بمن يختلط به ابنه من الجيران والأصدقاء وهذا ما ساعد جيل الأمس في تربية أبنائهم، لذا كانوا شديدي الملاحظة لأبنائهم منذ الصغر فلن تفيد المتابعة بعد أن يكبروا ويشتد عودهم إن لم يكن هناك ملاصقة لهم منذ البداية فقد قال الحكماء قديماً عن تربية الأبناء مقولة مشهورة وهي: (لاعبه سبعاً وأدبه سبعاً وصاحبه سبعاً ثم اجعل حبله على غاربه) فالسبع سنوات الأولى التي تسبق الإدراك والدراسة تكون بالملاعبة والملاطفة فيكون المرء قريباً من فلذة كبده ليحسسه بالأمان وفي السبع التي تليها يأتي دور التأديب والمحاسبة على كل تقصير ومحاولة تقويم السلوك ومن أهم السلوكيات التي ينبغي الاهتمام بها هي الصدق في القول والمعاملة ومجانبة الكذب فإذا نشأ الطفل ونشأت معه خصلة الكذب فإن هذا هو أول طريق الانحراف حيث يبدأ في اخفاء ما يقوم به من عمل قد يكون فيه فساد أو أن ينكر القيام بفعل يعد مشيناً، وبعد ذلك تأتي أصعب مرحلة من مراحل التأديب وهي مرحلة المراقبة والتي تتضمن مراقبة سلوكه بل والأهم مراقبة من يصاحب ويعاشر من الأصدقاء لأنهم مؤشر قوي على مسيرته في الحياة، فالصاحب كما يقولون ساحب وقد أجاد الشاعر في وصف المرء بسهولة وذلك عن طريقة معرفة قرينه فقال:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
فإذا كان من أهل الخير فسينعكس سلوكه على صاحبه، أما ان كان من أصحاب الشر والفساد فسيكون الصاحب مصيره نفس مصير من يصاحب فللصديق تأثير عجيب على صاحبه فكل منهم يحاول تقليد صاحبه وان كان على خطأ.
الاتكالية
هناك نوع من الآباء يعجزون عن متابعة أبنائهم بل ويتضجرون من ذلك بداعي المشاغل وضغوطات الحياة فتراه في شغل شاغل عن تربية ابنائه واذا تلقى نصحاً من صديق يحثه على متابعة أبنائه والعمل على تربيتهم التربية الصالحة يرد بكل برود بقوله (الهادي الله) ناسياً أو متناسياً فعل الأسباب التي تعين على ذلك وتضمنه، فإذا حظي الأبناء بأم متابعة لأبنائها فإنهم قد يكتسبون تربية صالحة وان كان تأثير الأم في التربية أقل من تأثير الأب بكثير، وان كان هناك من الأمثلة على تربية الأمهات لأبنائهن تربية حسنة الكثير خصوصاً لمن ترملت وأولادها ما زالوا في سن مبكرة وقبل بلوغ الحلم، حيث ترفض كثير منهن الزواج من أجل احتضان أبنائها والتفرغ لتربيتهم بعيداً عن تأثير زوج قد يرون منه القسوة والتنفير، وقد يندم من فرط في تربية أبنائه بانشغاله عنهم إذا وجد منهم انحرافاً ولكن لن ينفعه الندم حينذاك.
أبناء اليوم
قبل نصف قرن من الزمان أو يزيد، كان الولد يشبه أباه في كل شيء أو يكاد، أي أن مقولة (الولد سر أبيه) تنطبق تمام الانطباق على جيل الآباء وذريتهم، بمعنى أن جيل الأبناء يحمل جميع السلوكيات والمهارات وأحياناً الطباع التي جبل عليها آباؤهم، وحتى المهن وعمل اليدين تنتقل بالوراثة من الآباء إلى أبنائهم ولكن علاقة جيل الآباء في عصرنا الحاضر مع أبنائهم اعتراها بعض الفتور أو بالأصح الاضطراب، بسبب مزاحمة التربية الإلكترونية أو ما يسمى العالم الافتراضي حيث أن بؤرة شعور الطفل وحاشيته منفصلتان عن واقعه مستسلماً لما تملي عليه تلك التقنية وجاذبيتها وبريقها من تربية جاءت من خارج حدود البيت وسور المدرسة، مما أوجده في حالة من عدم الانتماء إلى والديه وانقطاعه عن واقعه وبيئته وسلوكيات مجتمعه المتوارثة، وترك بين الجيلين هوة سحيقة تتردى فيها غالبية جهود ردمها أو التقليل من عمقها، وقد تكون الفجوة بين الأجيال طبيعية لأن الأبناء خلقوا في زمن غير زمن أبائهم، ولكن التقنية ومشتقاتها زادت من مشقة التوفيق بين الأب وبنيه، وجعلت من رفع صوت البعض سمة للحوار بينهم، ناهيك عن حالات تمرد الجيل الحالي على واقعه ومجتمعه وعدم قبول وجهة النظر الأخرى واعتبار نصحه تدخلاً في شؤونه واختراقاً لخصوصيته، مبدياً بذات الوقت استغناءه عن أي توجيه، مما ولّد جيلاً يسعى إلى البحث عن الترفيه بأي شكل أدى إلى ظهور عادات غريبة سواء في الملبس أو ممارسة الهوايات الغريبة والدخيلة على المجتمع كالتفحيط والتسكع في الأسواق وغيرها، ولعل الحب المفرط والدلال الزائد الذي يقابل به الآباء أبناءهم جعل من جيل الأبناء عالة عليهم ففي السابق كان الابن يعتمد عليه منذ الصغر في انجاز العديد من المهمات سواء داخل البيت أو خارجه، فقد كان عوناً في تأمين احتياجات البيت وساعداً قوياً للأب في عمله ان في الأعمال الحرفية كالزراعة والاحتطاب وغيرها أو في التجارة من خلال البيع والشراء وكتابة عقود البيع والديون، رغم تلقيه التعليم في الفترة الصباحية، بينما جيل اليوم من الشباب بات مخدوماً منذ الصغر ومرفها وكل طلباته مجابة بدءاً من الأجهزة الترفيهية وانتهاء بالسيارة الفخمة، فبعد خروجه من المدرسة فانه لا عمل له إلا اللهو أو النوم أو الخروج مع أصدقائه وبات الأب لا يعتمد عليه في أي عمل يذكر إلا نادراً وفي أعمال بسيطة وغير مرهقة، وصارت متابعة الأب شبه معدومة لدى الكثيرين حتى ان البعض منهم لا يدري في أي صف يدرس ابنه ولا يحضر الى المدرسة مطلقاً بل لا يوصل ابنه إلى المدرسة ولا يحضر مجلس الآباء ليعرف أداء ابنه لدروسه وواجباته أوسلوكه في المدرسة، بل وتعدى الأمر إلى أن الابن يغيب عن البيت إلى ساعات متأخرة من الليل بدون متابعة وبرفقة أصدقاء لا يعرفهم أبوه، وقد تكون الأم بعاطفتها عوناً للشاب على أبيه في الدفاع عنه عند تبرمه من توجيهاته والتشديد عليه، وهذا الوضع هو السائد لدى الكثير من الآباء في مجتمعنا الذين هم في غفلة عن أبنائهم وفلذات أكبادهم الذيم هم مسؤولون عنهم أمام الله، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في تربية الأبناء ومتابعتهم على الدوام حفاظاً عليهم من الانحراف في عصر الانفتاح والرفاهية المتزايدة مع وجود وقت الفراغ الكبير الذي يراه الشباب مملاً ليقدموا على قضائه بالترفيه وربما مع أصحاب سوء وهم لا يعلمون، ما أحوج الكثيرين من المفرطين إلى تطبيق نصيحة الشاعر الشريف بركات التي ضمنها في أحد قصائده للمبادة إلى تأديب الأبناء والحرص على صلاحهم حيث قال:
أدب ولدك إن كان تبغيه يشفيك
لو زعلت أمه لا تخليه يالاك
إما سمج واستمسجك عند شانيك
ويغيض من فعله صديقك وشرواك
وإلا بعد جهله ترى أنه بياذيك
واستسعفه من بعد مرباه يالاك