أبواب - أمينة منصور الحطاب

 

تروي الحكاية أن مجموعة من الضفادع الصغيرة قررت في لحظة ما القيام بمسابقة تحدي بين أفرادها ،وكان التحدي هو الوصول إلى أعلى قمة البرج ... وفي صباح اليوم التالي تجمعت حشود الضفادع من كل حدب وصوب لمشاهدة السباق وللتشجيع، إلا أن الكثير من الضفادع الحاضرة كانت متأكدة في قرارة نفسها أن أحداً من الضفادع الصغيرة لن يستطيع أن يحقق التحدي ويصل إلى قمة البرج .

مضت الضفادع الصغيرة تصارع وتركض ،وكل ما تسمعه من الحشود هو كلمة :مستحيل!، وعم الصراخ هنا وهناك وتعالت الصيحات: لا يمكن أن يصل أي ضفدع إلى القمة لأن البرج عال جداً... وتكررت صرخات الإحباط تجاه الضفادع الصغيرة المسكينة التي راحت تتساقط من الإعياء واحدا تلو الأخر.. باستثناء تلك الضفادع المتحمسة والمفعمة بالنشاط والحيوية... ومع تساقط أعداد كبيرة من الضفادع رددت الحشود مرة أخرى:هيا تراجعوا ... لن تستطيعوا ... هذا مستحيل !، ومع تلك الدعوات تزايد عدد المتساقطين من الضفادع ولم يبق في السباق سوى ضفدع واحد تابع الصعود نحو القمة إلى أعلى ،ولم يتخل عن إصراره أبدا. وبينما كانت الضفادع تتساقط واحد تلو الآخر بقي هو يصعد ويصعد ولا يهتم أبدا بصرخات اليأس والمستحيل ،وفي النهاية وصل الضفدع الصغير إلى قمة البرج والجميع مستغرب بل ومندهش من هذه القدرة .. وتساءلت الضفادع وكافة الحشود عن سر صمود هذا الضفدع وحده بينما كانت العشرات تتساقط في الطريق،ولسان حالهم يقول: كيف استطاع هذا الضفدع الوصول للقمة ؟!، لم يطل الأمر كثيراً حتى عرفوا أو اكتشفوا إن

الضفدع الضئيل الفائز كان أصم!

هكذا نعيش حياتنا مع قصص نحكيها عن أنفسنا ،ويحكيها الآخرون عنا ،وتشكل واقعنا الذي نراه ونشعر به بل ونعمله أيضاً .إن هذه القصص التي تعيش معنا نشأت من أحاديث تم تداولها في سياق اجتماعي وثقافي، فالواحد منا يؤلف معنى لحياته من خلال القصص المتداولة في مجتمعه الذي يعيش به ويعاملها على أنها حقيقية . وبسبب التأثير القوي لهذه القصص السائدة في نسيجنا الثقافي فإننا نميل إلى تمثلها وتذويتها وكأنها رسائل قد تدفعنا نحو الحياة ،وقد تعطل فينا فرص الحياة .

 

ما وراء الحديث

إن تبني علماء ما بعد الحداثة للإرشاد القصصي يلقي الضوء على تأثير الثقافة واللغة والمعرفة والتفاعلات الاجتماعية على القصص السائدة في المجتمع ،ويُشجع على تأسيس مقاربة تعاونية ،واهتمام خاص عند الاستماع وبكل احترام لقصص وحكايات الأفراد ،والبحث عن تلك الأوقات التي امتلكوا القوة والنفوذ وذلك من خلال طرح الأسئلة التي تحفزهم نحو البحث والاكتشاف -مع تجنب النقد أو إطلاق الأحكام- عن تأثير المشكلة على حياتهم وتشجيعهم على عزل أنفسهم عن القصص السائدة التي دخلت نسيج شخصيتهم حتى تتشكل مساحة جديدة لخلق قصص حياتية بديلة .

إن وجهات النظر في هذه المقاربة تركز على قدرة الإنسان على الخلق والتخيل الفكري ،ويعتبر رواد هذه المقاربة أن الأفراد قادرين على اشتقاق معنى الحياة من عالمهم وما خبروه فيه من قصص وحكايات ، فتحدث عملية التغير بكل يسر وسهولة وبإرادة حرة من الفرد نفسه.

 

أهداف الحديث

تبرز الأهداف العامة للحديث القصصي في إتاحة الفرصة للناس لكي يصفوا خبراتهم بلغة جديدة وحديثة ،الأمر الذي سيفتح أمامهم أبواباً جديدة للبحث عن كل ما هو ممكن من الحلول .إن اللغة الجديدة تمكن الأفراد من تطوير معانٍ جديدة للأفكار التي تحيط بالمشاكل وكذلك المشاعر وأنماط السلوك .

إن الحديث القصصي يشمل الوعي بتأثير الجوانب المختلفة للثقافة السائدة على حياة الإنسان ويسعى لتشجيع الإنسان على محاولة الكشف عن بدائل جديدة وفريدة للمشاكل التي تعترض حياته.

 

الإجراءات والتطبيق

لتطبيق هذه الإستراتيجية لابد من إتباع الخطوات التالية:

-الاتفاق على تسمية المشكلة.

-العمل على شخصنة المشكلة وتغريبها، بمعنى عزو أفكار القهر والتعسف للمشكلة لا للأفراد وكأنهم غير متواجدين في المشكلة.

-البحث في كيفية حدوث المشكلة، وكيف سيطرت على الفرد وأرهقته وثبطتت من عزيمته؟

-إعادة رواية القصة من منظور مختلف واقتراح معانٍ بديلة لأحداث القصة.

-البحث عن لحظات لم يشعر بها الفرد بضغط المشكلة عليه ،ولم يشعر بالإحباط والفشل ونطلق عليها استثناءات المشكلة.

-البحث عن شواهد لدعم فكرة أن الفرد يمتلك القدرة والكفاءة لمواجهة عناصر الظلم والقهر للمشكلة وإبعادها عن مخطط الوصول للحل وكأن الفرد في هذه المرحلة يعيد كتابة قصة حياته.

-الحديث عن التوقعات المستقبلية بتفاؤل بعد التحرر من قصص الماضي المغمورة بالمشاكل.

-البحث عن مشاهدين يدعمون القصة الجديدة ،ولأنها نشأت وتطورت في سياق اجتماعي فلابد أن تشترك البيئة الاجتماعية في دعمها.

أخيراً، إن محاولة إعادة صياغة المفاهيم الاجتماعية والشخصية للمشاكل تلقي ضوءاً على الأفكار الثقافية والممارسات التي تنتج قصصاً مليئة بالظلم والتعسف، وتشجع على فحص طريقة التفكير ،وتقييم الأثر الذي تتركه هذه القصص على مجريات حياتهم ،ومن خلال الحديث القصصي يعمل الناس على فصل الافتراضات الثقافية جانباً، والتي هي جزء من مشكلة الفرد وتوليد قصص جديدة وبديلة تهدف للوصول إلى الحل.

JoomShaper