جاء لفظ (الحسن) بمشتقاته في القرآن الكريم في أربعة وتسعين ومائة موضع، وله معانيه المتنوعة بحسب سياق اللفظ، ومن أبلغ الأقوال في الإحسان قوله صلى الله عليه وسلم "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، (البخاري ومسلم).
ففي هذه الكلمات النبوية الجامعة من مقتضيات المراقبة والخشية والإنابة والإتقان والاتباع وصفاء السريرة ما فيه صلاح الدنيا والآخرة، فبيَّن صلى الله عليه وسلم أن الإحسان على مرتبتين متفاوتتين، أعلاهما: عبادة الله كأنك تراه، وهذا مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه؛ حيث يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان. ولذلك لما خطب عروة إِلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف لم يجبه بشيء، ثم رآه بعد ذلك فاعتذر إِلَيْهِ، وقال: كنا في الطواف
نتخايل الله بين أعيننا (الحلية، أبو نعيم).
والثاني: مقام المراقبة، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى؛ لأن ذلك يمنعه من الالتفات إلى غير الله تعالى وإرادته بالعمل، قال بعض السَّلف: "من عمل لله عَلَى المشاهدة فهو عارف، ومن عمل عَلَى مشاهدة الله إياه فهو مخلص".
وقالوا أيضا في الإحسان: فعل الخيرات على أكمل وجه، أو تحسين الظاهر والباطن، أو الإتيان بغاية ما يمكن من تحسين العمل المأمور به، ولا يترك شيئاً مما أمر به، وامتلاء القلب بحقيقة الألوهية كأنه يشاهد الله عياناً، والإحسان ذروة الأعمال، وهو أن تقدم الفعل من غير عوض سابق، بل يساء إليك ولا يسعك إلا أن تقدم الإحسان.
كما فعل يوسف الصديق عليه السلام {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ* قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} (يوسف: 46-48) فعاملهم بالإحسان فلم يعبر لهم الرؤية فقط بل أعطاهم الحَل معه، ولم يذهب إحسانه سدى، فكل إحسان يفعله العبد حتى فيمن لا يستحقون لا بد أن يكافئه عليه الله تعالى: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلا الْإِحْسَانُ} (الرحمن:60) فاصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن صادف أهله فهو أهله، وإن لم يصادف أهله فأنت أهله.
وخلق الإحسان يتسع ليشمل القول والعمل والعبادات والمعاملات، لذلك جعل الله تعالى رحمته ومحبته جائزة المحسنين {وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران:134).
وللأسف نرى بعض الناس يقومون بالعبادات وكأنها هم يريدون التخلص منه، فتراه يتثاقل عنها، أو يقوم بها من غير أن يؤديها حقها فيفقد بذلك الإحسان في العبادة، ولتقريب هذا المعنى لك أن تتصور من يقوم بخدمة أبويه متذمراً شاكياً متثاقلاً، فهل يرضى والداه عنه بالرغم من قيامه بالعمل، بالطبع لا، لأن هذا التضجر والتثاقل لا يتناسب مع الإحسان إلى الوالدين ولله المثل الأعلى، وكذلك عندما تعبد الله يجب أن يكون قلبك خالصاً له الذي أعطاك وأغناك وأمدك بالصحة والعافية لتقوى على عبادته، وعصمك من الانحراف، ولنا في نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدوة حيث كان يَقُومُ مِن اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدا شَكُورا(البخاري)، فما أحوجنا في هذا الشهر الكريم وكل الشهور إلى الإحسان في العبادة والعمل.
د. إيمان "محمد رضا" التميمي