ياسين نزال
(... يحاوره في غضب:
أنَا شبَّعْتك... أنا طعمتك... أنا عيَّشتك... أنا علَّمْتك... أنا... أنا...
طيب! وأنتَ يا صاحب (الأنا): من الذي عيَّشك؟ ومن الذي أطعمك؟ ومن الذي علَّمك؟ ومن ومن ومن...؟!
إن قلتَ: ربِّي! فلا خلاف إذًا... وجميع (الأنا) - تلك - مردودةٌ عليك!
وإن قلتَ: مِن كَسْبِ يدي! فقد شابهتَ الذي قال: (إنَّما أوتيته على علم عندي)، فخسف الله به وبداره الأرضَ!
... وانتهى).
وبعدُ... فهذا ما يقوله الكثير من أهل هذا الزمان ممَّن العُجب أخذ عقولهم، والترف أذهب لُبَّهم، تسمع مثلَ تلك العبارات الغاضبة، والتعبيرات الغضبيَّة مِن أبٍ ومن أمٍّ، ومن عمٍّ ومن جَدٍّ، ومِن مسؤول، ومن كثيرين ممن شملهم حديثُ

النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته)).
فلماذا يلجأ هذا البعضُ ممَّن آتاه الله شيئًا مِن المسؤولية على عباده إلى استعمال مثل هذه العبارات السَّافلة وهو يؤدِّب (!) أو يؤنِّب أو يهذِّب، أو ربما يُكذِّب أو يعذِّب...؟! نعم! يعذِّب! فإنَّ قَصص تعذيب الآباء لأبنائهم لم تعد قَصصًا من نسج الخيال كما كُنَّا نظنُّ... بل واقعًا يُظهرُ الاعتراض على الرَّبِّ عزَّ وجلَّ! دَعْ عنك فعل الغريم بالغريب!
فلا أشك أنَّ أصحاب هاته المقولات أُحيطوا من كلِّ جانبٍ بمشكلةٍ سلوكية عظيمة، ناتجةٍ عن خلل تربويٍّ فادح، وأخلاقيٍّ قادح، أذْكرُ أهمَّ أسبابه:
1- بُعدُ الوازع الدينيِّ الذي يضبط تصرُّفات العبد.
2- انعدام مفهوم الشراكة، وأن الإنسان شريك أخيه الإنسان في هذه الحياة، لا علاقة قهرية وعبودية.
3- الجري وراء الماديات ومستلزمات الحياة، بل ربَّما عند البعض الإغراق في السرف والسفه!
4- ضعف إيمان العبد بأن المُلك والرزق والتدبير هو لله تعالى وحده، وأن الخلق جميعَهم عبيدٌ لله تعالى وحده.
5- ضعف حُجَّة هذا المؤدِّب الغاضب أمام مَن يخاطبه بمثل هذا الكلام؛ فلمَّا لم يعثر على حجَّة إقناع، لبس قناعًا ليس من حقِّه!
6- الحرمان من الرحمة، التي هي من أعظم نِعَم الله تعالى على العبد، بل قد تُعدُّ من أدلَّة المحبَّة؛ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لما بكى على موت ابن ابنته زينبَ: ((هذه رحمةٌ جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من لا يَرحم لا يُرحم))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله إذا أحَبَّ أهل بيت، أدخَلَ عليهم الرفق))!
ومع وجود هذه الأسباب، وظهور تلكم النتائج التي تطالعنا بها الأيام الشديدة بين الحين والآخر، قد نسأل: ما المخرج أو البديل؟ فأقول:
1- ناقشْ وحاورْ وناظر؛ فالفكر لا يعالَج إلا بفكر.
2- قابِل الحقائق بحقائق؛ بمعنى: واجِهْ ما أزعجك أو أوجعك بحقٍّ مثله.
3- عوِّدْ نفسك على الاعتراف بالخطأ؛ فإنه فضيلة من الفضائل.
4- اجعلْ همَّك الوصولَ إلى الحقِّ، وإرضاء ربِّ الخلق.
5- لا تجعل الدنيا همَّك الأكبر، بل ما ينتظرك ساعةَ الخروج منها؛ كي تخرج منها سليمًا معافى.
6- إياك والغفلةَ وأماكن الغفلة وأهل الغفلة.
والمقصود أن تربية الأجيال المُسْلمة لا تتمُّ إلا بربطها بكتاب ربِّها وسُنَّة نبيِّها صلى الله عليه وسلم، في جميع المراحل والأحوال والظروف؛ فليس هناك من مصلحة تجعل المربِّيَ يقطع هذه الروابط إلا أن تكون مصلحة شخصية خالصة، تفنى بفناء الراكضين مَهْما كانتْ حججه، وإن ادَّعى المدَّعِي أنَّها شرعية!
والله وحده الهادي والموفِّق!

JoomShaper