عمان- نجد كثيرا من الأشخاص يعانون أكثر من غيرهم من الحياة بالرغم من أن حياتهم قد لا تكون صعبة بالدرجة التي يشتكون، وتكون مناعتهم النفسية ضعيفة كذلك، فتجدهم أشخاصا حساسين للغاية ويخشون الفشل ومعتادين على الهروب بدلا من مواجهة المواقف الصعبة ولا يجيدون العمل ضمن فريق ويعتقدون، كما يقال، أن العالم يدور حولهم، كما يكونون كتومين وسلبيين.
غالبا يكون السبب في كل هذا هو أسلوب التربية الذي اتبعه أهل هؤلاء الأشخاص معهم منذ صغرهم.
وفي معظم الأحيان، يكون الطفل الأول أو الوحيد هو الضحية؛ ولكن كيف يكون ذلك؟ وكيف يمكن للأهل الذين يحبون طفلهم حبا غير مشروط ولا حدود له أن يتمكنوا من إيذائه بهذه الطريقة بدون أن يحسوا بخطورة ما فعلوا؟! وما التصرفات التي تجعل الأهل ينشئون طفلا بهذه الصفات؟!

من هذه التصرفات وأساليب التربية وأثرها على الطفل عندما يكبر:
- عندما يحمي الأهل الطفل بشكل زائد على اللزوم، فيدافعون عنه سواء كان على حق أو لا، ولا يتركونه يتشاجر مع أقرانه لأنهم يتدخلون فورا بحل الشجار لصالحه طبعا، وكذلك يعطونه حلولا سريعة لمشكلاته. هذا الطفل سيصبح اعتماديا عندما يكبر.
- عند مراقبته طوال الوقت واختيار أصدقائه وعدم ترك مساحة خاصة له للجلوس وحده للتفكير في أمر ما؛ فتجدهم كلما جلس وحده أصروا عليه أن هناك مشكلة وأن عليه أن يخبرهم وأنهم لن يسمحوا لأحد أن يتسبب في حزنه... حتى عندما يكبر قد ينشأ شخصية اتكالية يعتمد عليهم أو على من حوله لحل مشكلاته، أو قد يصبح كتوما وينفجر وحده لئلا يخبرهم شيئا خوفا من أن يقلقهم عليه.
- عندما يصرون عليه أن يدرس طوال الوقت وأن عليه إحراز أعلى العلامات دائما، وأن يكون الأفضل في كل شيء والأول في كل شيء، فتجدهم يبالغون في الثناء عليه وعلى إنجازاته بل وحتى على جماله الخارجي. فتجده عندما يكبر يخيب ظنه مع أول إخفاق، وإن كانت فتاة خصوصا تجدها تكره شكلها إن سمنت قليلا أو إن كبرت في السن، لأنها تهتم بالجمال الخارجي أكثر من الداخلي.
- إن فشل يوما ما تجدهم يوبخونه ويخفون هذا الشيء عن الناس، وكأنه ارتكب جريمة. فيكبر غير معتاد على الفشل، ويفضل الهروب على المواجهة حتى لا يخسر المعركة يوما ما، وإن فشل تجده يكتئب وتسد أبواب العالم في وجهه، ولا يتعلم من فشله، لأنه لا يفكر فيه من النصف المليء، كما تجده لا "يفضفض" لأحد عن سبب حزنه ولا يطلب المساعدة لئلا يكسر كبرياءه.
- يعلمونه أن الكل يحبه، فيكبر وهو يبحث عن إرضاء الجميع حتى لو كان هذا على حساب نفسه، وأحيانا يحدث العكس تماما فيكون هذا الشخص متكبرا ويعتقد أن جميع الناس مسخرين لخدمته.
عندما تربي أطفالك، تذكر أن عليك أن تجهزهم للحياة وأن تسلحهم بالتجارب على اختلافها ليتعلموا المواجهة والصبر وأن ينظروا للنصف المليء من كل شيء؛ فالحياة فيها الحلو وفيها المر كما يقولون، وفيها الخير وفيها الشر ونحن لا نعيش في عالم مثالي، كما أن طفلك ليس مثاليا أيضا... تقبله كما هو واتركه يفشل ليتعلم من الفشل ويمرض لتقوى مناعته الجسدية ويحزن لتقوى مناعته النفسية، ولا تتدخل فيه أكثر من اللازم حتى لا تحبطه وحتى يستطيع اللجوء اليك عندما يريدك بدون أن يكون اتكاليا ولا وحيدا وكتوما؛ فكم من شخص بالغ الآن نجده يتجنب أن يعود للمنزل ولديه مشكلة ما في عمله لئلا يراه والداه حزينا أو لئلا يتمالك نفسه ويبكي أمامهما فيكسر في مخيتلهما ذلك الولد الذي لا يقهر، ولو أنه بالحقيقة مقهور من داخله.

ميس طمليه
كاتبة ومترجمة

JoomShaper