كان خطباء يوم الجمعة المنصرم تلتهب حناجرهم باسم الأقصي والقدس وفلسطين في معظم مساجد الدولة، مشاطرة للغضب الشعبي والرسمي العالمي، وتنديدا لقرار الرئيس الأمريكي بالاعتراف العلني بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني بكل بجاحة.
هؤلاء المتملقون يريدون أن يجعلوا لليهود حقاً فيها ، فأي حق يتحدثون عنه وهم لم يُهَجّروا إلا منذ سنين قريبة؟! أي حق يتحدثون عنه وهم الذين امتنعوا عن دخول الأرض المباركة مع موسى عليه السلام فحرمت عليهم وتاهوا في سيناء عقاباً لهم، واليوم يريدون أن يجعلوا من أرض تيههم مسكناً للمسلمين كي يُرحّلوا إليها، فيا للعجب!!
أديت صلاة الجمعة الماضية في مسجد (الاخوين) في منطقة الوعب وشدني حسن اختيار خطيب الجمعة لموضوع القدس فكان بحثه موفقا وهو يشحذ الهمم بعدم التفريط بالقدس وجاء في

خطبته " إنها القدس التي من أجلها قال السلطانُ العادلُ محمود نور الدين زنكي: أَسْتَحِي مِنَ اللهِ أنْ أَتَبَسَّمْ وبيتُ المقدسِ في الأسر ، وَمِنْ أَجْلِهَا شمخَ صلاحُ الدِّين برأسِه وأعدَّ عدَّتَه لِيحرِّرَ أرضَ الأقصى، وقد نصره اللهُ وفتحَ بيتَ المقدس ، ومن أجلِها صاحَ المظفَّر قُطُز صيحتَه الشهيرة (وا إسلاماه) ، ومن أجلها ضحّى عبد الحميد بعرشِه وملكِه وقال: لا أقدِرُ أنْ أبيعَ ولو قدمًا واحدة من فلسطين ، ومِنْ أجلِها انتفضَ أبناءُ الحجارةِ يحمِلُون حصَى أرضِهم وترابها ليَرْمُوا بها وجوهَ الدُّخلاء الغاصبين".
علمنا التاريخ أن المسجد الأقصى ليس شأناً فلسطينيا خاصاً وإنما هو شأن الأمة الإسلامية جمعاء، فتاريخ المسجد الأقصى هو تاريخ الأنبياء من لدن آدم عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي عرج به إلى السماء من ذلك المكان المبارك ، هو مَسرى نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، والقبلةِ التي توجّه إليها رسولُ الله بعد الهجرة ، إنها فلسطين، أرضُ الكثير من الأنبياء والمرسلين، وأرضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وأَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، إنها فلسطين مَصْرَعُ الدَّجَّالِ ومَقتلُه حيثُ يلقاه عيسى عليه السلام، إنها فلسطين من الشام الأرض التي دعا لها رسولُ الله بقوله: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا.
يستنجد خطيب الجمعة بالأمة أن تنهض من سباتها وأن تستمع لأصواتُ المنادِين والمستغيثينَ ويقول " إخوةَ الإيمان والإسلام، إن ذكرى بطولاتِنا وأمجادِنا لا بدَّ أن تُحرِّكَ عزائمَنا إلى نُصرةِ دينِنا. ولعلكم تقولون ماذا نفعل؟ وأنا أقولُ لِيَكُن كلٌّ منكُم صلاحَ الدِّين، وما يمنع؟ ليرجعْ كلٌّ إلى نفسِه ابتداءً فليصلِحْهَا ويقوِّم عِوَجَها ثم ليلتفت إلى أقرب الناس إليه فيفعل مثلَ ذلك، وهكذا تصلُحُ الأمَّةُ كلُّها".
علينا أن نعلم جيلنا الحاضر أن يعيشوا هموم أمتهم وأن يشعروا بأن المسلمين جسد واحد فيه عز هذه الأمة ، فلنجعل قضية القدس حاضرة في قلوب أبنائنا ولنربي في كل واحد منهم أنه صلاح الدين المنتظر، وذكروهم بوعد الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ" علموا أولادكم حب القدس ، فلا شك أن هناك فرقا كما بين السماء والأرض بين من نشأ لا يهتم إلا بشهواته ورغباته، وبين من نشأ وقلبه يعتصر ألما على أحوال أمته.
إنها فلَسطين، أرضُ القدس، أرضُ الأقصى الذي يمثل تاريخ التوحيد الذي كان الإسلام آخر حلقاته قال الله تعالى:"وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيز". وسلامتكم.

JoomShaper