ماجد محمد الوبيران
درس التلاميذ في أحد نصوص الكتاب قصة المهندس الأسكتلندي (جيمس وَاطْ) المولود في سنة 1736م، والذي استطاع أن يخترع المحرك الذي يعمل بالبخار، وتكريمًا لإنجازاته فقد أطلق اسمه على وحدة القدرة الكهربائية (الواط).
وقد عرف التلاميذ أن واط حين كان صغيرًا كان يجلس إلى جدته ويراها تضع الإبريق المملوء بالماء على الموقد وما هي إلا دقائق ساخنة ويبدأ الصفير يخرج من الإبريق وغطاء الإبريق يتحرك.
تكرر هذا المشهد أمام ناظري الطفل الصغير، وبعد أن تأمله سأل جدته عن الشيء الموجود في الإبريق فتجيبه جدته أن ما في الإبريق إلا الماء.

فيقول واط: وهل الماء يصفر؟
ثم إذا كان البخار المتصاعد من الماء المغلي يحرك غطاء الإبريق فهل هو قادر على تحريك ما هو أكبر؟!
حادثة تأمل بسيطة ظلت الأسئلة معها عالقة في ذهن الفتى لتقوده في مستقبله إلى اختراع المحرك الذي يعمل بقوة البخار.
أورد هذه القصة وأطفالنا تمر بهم المواقف تلو المواقف وهم لا يدركون قيمة التأمل في حياتهم، ويفتقدون إلى التدرب عليه، وما افتقادهم لهذه القيمة إلا لتقصير منا نحوهم؛ فنحن نركز على الجوانب المعرفية، ونُغفل مثل هذه القيم التي تحفز التفكير، وتعلم الصبر.
فالتأمل هو ممارسة يقوم فيها الفرد بتدريب عقله لتحفيز الوعي الداخلي؛ ليحصل في مقابلها على فوائد معنوية وذهنية.
وقد يعمل الوالدان على تحفيز الطفل على التأمل في مرحلة ما قبل المدرسة وذلك عن الطريق توجيه نظره سواء في الطبيعة، أو من خلال بعض الألعاب كألعاب التركيب وما شابهها، لكن الطفل وبمجرد أن يلتحق بالمدرسة فإنه يفقد الكثير من ممارسات التأمل، وأقصد بالتأمل التأمل البعيد عن المنهج؛ لأن التأمل في بعض دروس المنهج يكون محدودًا وموجهًا بينما التأمل الرحب هو التأمل المطلوب لأنه هو الذي يحفز العقل، ويولد الأسئلة، ويبحث عن الإجابات.
إن أطفالنا بحاجة كبيرة إلى أن ندربهم على هذه القيمة من أجل بناء عقولهم وذواتهم وأن لا نكتفي بما تقدمه المدارس عبر مناهجها كما أنه يجب علينا أن لا نتركهم فريسة لهذه الأجهزة التي استنزفت طاقاتهم، واغتالت أوقاتهم!
ومن الوسائل المعينة على التأمل القراءة فهي مفتاح كل خير، قراءة القرآن الكريم ففيه الكثير من القصص الداعية للتأمل، والمفردات الباعثة على التفكر، ثم بمطالعة القصص المفيدة النافعة التي تعرض سير الناجحين في الحياة، وإلى جانب القراءة تأتي الصور سواء الصور الفوتوغرافية المنتقاة، أو ما يعرض للطفل من مناظر ومشاهد في الطبيعة، وإلى جانبها يأتي الرسم، وألعاب التجميعات والتركيبات، والتعبير بالحديث وبالكتابة، وإشراك الطفل في بعض القرارات المنزلية فيما يخص الترتيب والتنسيق وغيرها.
إن للتأمل قيمة عظيمة يدركها من يعرف حقًّا أثرها على العقل والنفس..
قال أبو سليمان الداراني: "إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله فيه نعمة، ولي فيه عبرة".

JoomShaper