بقلم : د.جاسم المطوع 


كان الخليفة هارون الرشيد خامس الخلفاء العباسيين وأشهرهم، وكان كثير الصدقة والصلاة والحج والغزو ويحب العلم والعلماء، كما كان حريصا علي تربية أبنائه تربية متميزة، فقد كلف مؤدبا ليؤدب أبناءه ويربيهم وسلم ولده الأمين للمؤدب وأوصاه بسبع وصايا تربوية رشيدة، وتعتبر هذه الوصايا اليوم منهجا متكاملا في تربية الأبناء وهي: قال له أولا: (أقرئه القرآن) لأن في قراءة القرآن وحفظه تنمية لمدارك الطفل، وتقوية لذاكرته، ويساعده علي الاستيعاب واسترجاع المعلومة بشكل سريع، ويمنحه قدرا كبيرا من الاتزان النفسي والاجتماعي، ويقوى لغته العربية ويحسن

قدرته علي النطق، ويرفع مستوى الإبداع والذكاء عنده، ويعرف الطفل حسن التعامل مع خالقه ومع الناس ومع النفس كما يعرفه بحقيقة الدنيا وأهمية الآخرة.

أما الوصية الثانية فهي: (أن يعرفه الأخبار) والمقصود بها أخبار التاريخ والأمم والشعوب، ليتعلم أن الدنيا دوارة والتاريخ يكرر نفسه، فالتاريخ لا يكذب ولا ينسى ولا يرحم، ومعرفة الطفل للتاريخ مهم جدا في بناء شخصيته لأنه يتعرف على العظماء والحكماء والمشاهير والعلماء والمبدعين، كما يتعرف على المفسدين والظالمين فيعرف أصناف الناس وبصماتهم بالحياة، أما الوصية الثالثة فهي أن (يرويه الأشعار) لأن الطفل يتعلم من الشعر قوة اللغة وحسن التعبير واختصار الأفكار كما يتعلم الأدب، فقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (علموا أولادكم الشعر، فإنه يُعلمهم مكارم الأخلاق)، وقال معاوية بن أبي سفيان رضي االله عنهما: (يجب على الرجل تأديب ولده، والشعر أعلى مراتب الأدب).

ورابع وصية هي (وعلمه السنن)، أي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته، وكلما عرف الطفل صفات رسول الله وأخلاقه كلما أحبه أكثر، فالمحبة علي قدر المعرفة، كما أن معرفة السنن ترقق القلب وتبصر العقل وتقوي الإيمان، أما الوصية الخامسة فهي في ضبط النفس وحسن الحديث فقال الرشيد للمؤدب: (بصِره بمواقع الكلام وبرئه وامنعه من الضحك إلا في أوقاته)، وهذا ما يسمى بعلم السلوك والأدب أو الإتيكيت، فيتكلم في الوقت والمكان الصحيح، كما أنه يعبر عن مشاعر الفرح والضحك في الوقت والمكان الصحيح، فيقدر الوقت والمكان والأشخاص عندما يتحدث معهم، ويحسن اختيار كلماته وألفاظه ويتعامل مع كل شخص حسب مكانته الاجتماعية ونظرته لنفسه، وهو ما نسميه اليوم بالذكاء الاجتماعي في علم العلاقات.

والوصية السادسة هي: (ولا تمرن بك ساعة، إلا أنت مغتنم فائدة تفيده) والمقصود من هذه القيمة التربوية أن يتعلم الطفل استغلال الوقت في ما ينفعه ويفيده، لأن العمر محدود والوقت ضيق فلا يضيع وقته في ما لا ينفعه، وهنا يسمح الرشيد للمؤدب والمربي أن يتدخل في تفاصيل يوم ابنه حتى يوجهه باستغلال كل ساعة بالواجب الخاص بها، فللعبادة وقت وللعلم وقت وللعلاقات الاجتماعية وقت وللصحة وقت وللترفيه وقت وللطعام وقت وللنوم وقت، وهكذا يتربى الطفل علي النظام والإنجاز، والوصية السابعة هي (ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويأنفه)، أي أن يجمع بين الشدة واللين وبين الحزم والطيب في تربية الابن حتى لا يتساهل ويستحلي الفراغ فلا يكون ابنا صالحا أو منجزا وإنما يكون كسولا أو مهملا، وهذه تحتاج من المربي إلي فقه وعلم في التعامل مع الأبناء.

فهذه سبع وصايا رشيدة من الرشيد للمربي، وواضح فيها العمق والوضوح في البرنامج التربوي حتى يهيئ ابنه للقيادة في المستقبل، وبالمناسبة فإن طبقة المؤدبين أول ما ظهرت في الخلافة الأموية واستمرت حتى الخلافة العباسية بسبب تحول نظام الحكم من الشورى إلي الوراثي، فتم استحداث طبقة المؤدبين حتى يؤدبوا أبناء الخلفاء ليكونوا قادة المستقبل، فهذه وصية الخليفة هارون الرشيد لمؤدب ابنه، فهارون الرشيد ليس شخصا عاديا، فلم يشتهر فقط في تاريخنا وإنما اشتهر كذلك في التاريخ الأجنبي وحتى الصيني

JoomShaper