يُعتبر الإيحاء أسلوب مُبطن، يُستخدم لإيصال رسائل رمزية من خلاله بطريقة غير مباشرة؛ تهدف لتغيير الأفكار، وتحويل القناعات، وبالتالي تعديل مسار السلوك. وهو نوعان: النوع الإيجابي الذي يساعد في تقويم السلوكيات وتعديل الأفكار؛ وبالتالي يساهم في زيادة تقدير الذات، ورفع الثقة بالنفس، والدافعية نحو العمل. وآخر سلبي على النقيض تماماً، يشوه صورة الذات، ويحطم الثقة بالنفس، ويكون عائقاً نحو التقدم والنجاح. ويتميز الأسلوب الإيحائي بكونه مرنا يستخدم بأوجه مختلفة. فيستخدم تارة عن طريق القصة أو بالكلمات والعبارات، وأخرى عن

طريق السلوك بالقدوة، وقد تكفي النظرة وتعابير الوجه بالمراد.
وتتعدد استخداماته أيضاً، فقد يستخدم هذا الأسلوب كأحد الأساليب في العلاجي النفسي. وهو كذلك أسلوب تربوي مهم، يستخدم مع الأبناء لغرس القيم، وتعديل السلوكيات المزعجة، من خلال تعدد أساليبه. ويستخدم كذلك في التعامل بشكل عام. وتحديداً مع الشخصيات الصعبة التي تفتقد للمرونة والحوار، وعلى رأسهم الكثير من المراهقين، الذين يجدون صعوبة في تقبل اقتراحات الآخرين بشكل مباشر. ويجدون في الرسائل الإيحائية: اقتراحات تتناسب مع تمرد ذواتهم تجاه الأوامر المباشرة الموجهة لهم. ولا نبالغ إن قلنا: إنه موجود ومستخدم في كل مكان حولنا، سواء أدركنا وجوده أو لم ندرك.
فكل سلوك هو إشارة رمزية إيحائية، تصل لمُتلقيها؛ مما تدفعه لاتباعه، خاصة الأطفال الذين يلتقطون ما حولهم بسرعة ويقلدونه، وذلك هو ما يسمى التعلم بالقدوة عن طريق الإيحاء، وكذلك يظهر ذلك من خلال المعاملة الطيبة، والكلمات التي يستدمها الطفل من أسرته، وتصبح ضمن قاموسه اللغوي والسلوكي أيضاً. سواء عن طريق اقتباسه لسلوكيات من حوله، أو من خلال ما يشاهده من برامج أطفال، وما فيها من عنف أو أي سلوكيات أخرى، فهي تعمل على غرس هذه السلوكيات بطريقة الإيحاء؛ لأنها تبرمج عقله اللاواعي، لتحفزه بتجربة السلوك عن طريق الاقتداء برمز أو شخصية محببة للطفل؛ فنجد أنه بعد فتره أصبح يمارس الكثير منها بطريقة عفوية.
ومن المنطلق نفسه نجد أن المراهق يتأثر بأصدقائه، ويبدأ في ممارسة الكثير من العادات التي يمارسها أصدقاؤه. ويمتاز هذا الأسلوب في أن طريقة عرض الفكرة أو السلوك لا تُفرض بشكل مباشر، وبذلك فهي تمنح المتلقي شعوراً بأنه غير مُجبر على قبولها، وبالتالي لا يقاومها، بل على العكس تماماً، فهي تمنحه مشاعر الرضا؛ لشعوره أنه هو من اقترحها لنفسه واستنتجها واختارها.
ففي الأسلوب العلاجي للضغوط مثلاً: يُستخدم الإيحاء عبر الاسترخاء العميق، أو ما يسمى بالتنويم الإيحائي؛ لزرع قناعة تساعد في التخلص من الضغوط، باقتراح ما نريد إيصاله عن طريق قصة رمزية قصيرة، لشخص يعاني كثيراً من أحمال تلازمه، ويتمسك بها فتثقل ظهره. وقرر التخلي بالتدريج عن الكثير منها، وبدأ تدريجياً التخلص من الأحمال التي ترهقه. وبشكل تدريجي أصبح يشعر بالراحة والانطلاقة بشكل أكبر. ويمكن استخدام القصة نفسها، أو استخدام قصص مشابهة بطريقة رمزية، دون توضيح مباشر للمراهقين، سواء للتخلص من بعض الضغوط من حولهم والتركيز على الأولويات، أو للتخلص من رفاق السوء، الذين هم عبء يضيع أوقاتهم ويجهد أنفسهم.
وفي النطاق التربوي يستخدم الإيحاء لزرع السلوك بطريقة رمزية، وكذلك لإيجاد الحلول لبعض المشكلات عن طريق القصة، كذكر أحد الوالدين لأبنائهم بعض الأخطاء التي وقعوا فيها، وهم في المرحلة العمرية نفسها، وكيف تجاوزوها واستفادوا من أخطائهم بقص قصص مشوقة عن حياتهم وطفولتهم، سواء للأم أو للأب؛ ليكون فيها التعلم بالقدوة. ومنها القصص الرمزية التي توجه السلوك كالقصص الشهيرة للأطفال مثل: قصة الأرنب والسلحفاة، وكيف فازت السلحفاة؛ لأنها مجدة رغم بطئها؟ وخسر الأرنب رغم سرعته لكسله. وكذلك قصة النملة والجرادة، وكيف نعمت النملة بالراحة في الشتاء؛ لاجتهادها في الصيف بجمع الطعام، وكيف جاعت الجرادة لإهمالها وتقصيرها. وكيف أكل الذئب الراعي الذي كان يكذب ويستنجد بالناس دون وجود الذئب. ولما حضر الذئب لم ينقذه أحد لكذبه فأكله الذئب.
والقصص الإيحائية التربوية كثيرة في ذلك، كلها تضع السلوك تحت المجهر وتوضح عواقبه؛ مما يدفع الطفل للتمسك بالإيجابي وترك السلبي. كما أنها تعزز القيم الإيجابية من صدق وأمانة واجتهاد. ويمكن أيضاً للوالدين اختيار أو تأليف قصص رمزية تتناسب مع عمر الطفل والسلوك المراد تعديله، أو القيم المستهدفة للغرس في نفس الطفل.
والإيحاء يمكن أن يظهر من خلال تعابير الوجه، فالابتسامة رسالة رمزية بالسعادة والرضا عن سلوك ما يقوم به الطفل. أو الرضا عن ذاته، وكذلك الإيحاء بعدم الرضا بالنظرة الحادة عند قيام الطفل بسلوك غير مقبول. ويكون الإيحاء أيضاً عن طريق العبارات، كمخاطبة الطفل بعبارات إيجابية تعزز السلوك الإيجابي في نفسه، مثلًا كقول الأم لابنها: أثق بك لأنك صادق فيما تقول، ولا تحب الكذب. ففي ذلك تعزيز لصدقه. أو باستخدام عبارات إيجابية لذاته؛ لكنها مقترنة بقيامه بالسلوك في المستقبل لتعزيز ثقته بنفسه، وإثارة دافعيته نحو سلوك ما. وأوضحها ما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم – "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ" متفقٌ عَلَيْهِ. والنتيجة أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه - أصبح بعدها لا ينام من الليل إلا قليلاً.
فالإيحاء بالنتيجة الإيجابية للشخص، أو الثناء عليه عند قيامه بسلوك ما: يدفع للتمسك به. والعكس كذلك صحيح. فربط النتيجة السلبية بالسلوك السلبي للأبناء: له عواقبه كما في المثالين الآتيين: كنت أعلم أنك لن تنجح؛ لأني متأكدة بأنك فاشل لا تصلح لشيء. أو لا أثق بما تقول؛ فأنا أعلم أنك كاذب. فهي حتماً تُقولبهم على السلوك، وتأصله في شخصياتهم؛ لأنهم وُصفوا بالسلوك الذي صدر بصورة عفوية دون قصد. فمن باب أولى تمسكهم بالسلوك بطريقة واعية ومقصودة، فقد وصموا به رغم عدم تعمده، فما يمنع أن يقوموا به بشكل متعمد؟
والتربية بالإيحاء لها نتائج، تظهر على المدى القريب، وأخرى على المدى البعيد، تختلف بحسب نوعية الفكرة الإيحائية المزروعة في عقل الطفل، سواء إيجابية أو سلبية. فأما الهدف القريب فنلمسه بالسلوك القريب للطفل بشكل سريع، ويتضح ذلك من خلال المثالين التاليين: لا أحب أن أتركك في البيت لوحدك؛ حتى لا تخاف من الظلام، أو تشعر بالوحدة والوحشة من وجودك وحيداً.
والآخر أنا أثق بقوتك، وبأنك شجاع كالأبطال الذين لا يهابون، ويسيرون واثقين في الظلمة قبل النور. هنا الهدف القريب يُظهر أثر الكلمة التي تقولها الأم. سواء في العبارة الأولى السلبية وكيف يتهيأ الطفل للخوف، ويستشعر الخوف من الظلام، وتدريجياً يخاف من كل شيء. أو في العبارة الثانية الإيجابية التي تمكن الأمن والطمأنينة في نفسه وتشعره بالقوة والفخر.
أما الأثر البعيد: فتظهر نتائج ما نزرع من إيحاءات، سواء كانت سلبية أو إيجابية في نظرة الطفل لنفسه، وبشكل خاص تظهر في فلتات لسانه عن نفسه، كقوله: كنت أعرف أنى سأفشل، فأنا لا أصلح لشيء. فتظهر الكلمات نفسها، التي تُتكرر عليه باستمرار، وأصبح مقتنعاً بها قناعة راسخة. نتيجة تكرار الإيحاء حول فكرة أو سلوك معين، يتعلق بذات الطفل وسلوكه. وكذلك يظهر الأثر في قدرته على المبادرة من خلال برمجة الطفل؛ لتكون لهذه العبارات انطباعات وتأثير لا في الوقت الراهن فحسب، بل تتأصل في نفس الطفل؛ لتشكل جزءًا من بنيته النفسية. فالإيحاء خطاب للعقل اللاواعي؛ مما يزرع فيه الفكرة أو السلوك؛ ليتم برمجته وظهوره في العقل الواعي بعد مدة، بعد أن يتشكل كجزء من المنظومة المعرفية أو السلوكية لديه. وبالتالي تظهر في المواقف المختلفة.
فمثلاً كثرة ترديد عبارة: أنت جبان لا تقدر على مواجهة الناس لأحد الأبناء. نجده في أول عثرة في المواقف الاجتماعية: يتردد بداخله صدى الكلمات التي تبرمج عقله بها، فيتوقف عن المحاولة ويستسلم، ويتجنب المواجهة الاجتماعية ويرتبك؛ نتيجة تردد صدى ما تكرر من إيحاءات سلبية، فيقول في نفسه: لن أقدر على المشاركة الاجتماعية ومواجهة الناس؛ لأني فعلاً لا أقدر وفاشل. وبالتالي ينسحب ويبني سياجاً نفسية من الوهم تُعيق نجاحه. وتظهر الإيحاءات السلبية بوضوح لدى الجميع أثناء الحوار الذاتي. فقبل كل سلوك أو موقف يتحدث الشخص مع نفسه. وهذا الحديث إما أن يكون إيجابياً يدفعه للتقدم. أو سلبياً يحجمه ويقزم ذاته. لذا من المهم أن يحرص الوالدين على تعزيز الإيحاء الخارجي الإيجابي للأبناء، والذي بدوره يعزز الإيحاء الذاتي لديهم بأسلوب يكون مناسباً لأعمارهم، ومتنوعاً بالقصة مرة، وبالفعل والقدوة مرة أخرى، وبالقول المتكرر أيضاً.
فالكلمة سلاح ذو حدين، يمكن أن نستلهم منها القوة والثقة، أو تكون كالرصاصة مؤلمة، بل وقاتلة للنفس أحياناً. فهي ليست مجرد كلمة عابرة، وإنما منهج تربوي يجعل للكلمات بصمة في شخصية الطفل؛ فتترك الكلمات صداها في النفوس لسنين طويلة؛ فلا يظهر أثرها العميق خلال أيام، لكن تتفاعل مع الوقت؛ ليتكون حواجز وعوائق وقيود، تأسر النفس وتحرمها من الانطلاق والإبداع.
فبعض كلماتنا هي أسهم مسمومة، تتربص بنفوس أبنائنا. فالإيحاء أشبه ما يكون ببذور تربوية تحتاج لمهارة الزارع؛ لتنتج ثمر يطيب لنا حصاده. فبالإيحاء نصنع أبنائنا، ونزرع فيهم بذور الشخصية الإيجابية الواثقة، فعلينا أن نختار ما نريد غرسه؛ لنحصد ما نحب جنيه.

JoomShaper