عالم الأسرة » شؤون عائلية

لم تكن التربية يوماً ما مجرد نظريات وقوانين تُطبق بمعزل عن البيئة الاجتماعية والثقافية المحيطة بالناشئين. بل تسير جنباً إلى جنب مع البيئة المحيطة بهم؛ لتواكب متطلبات كل جيل وتحاكي احتياجاتهم؛ ولتكون أكثر مرونة وقابلية للتطبيق. فهي تتعامل مع المجتمع الإنساني بكافة شرائحه، فلا يصح أن تكون جامدة المبادئ، مجردة من المشاعر، كالقوانين التي تتعامل مع أرقام جامدة لا تتغير. فالأساليب التربوية تتعامل مع أرواح لا أرقام، وبالتالي فهي تحتاج لمواكبة كل جيل واحتواء كل جديد في زمانهم وتطويعه بأساليب تربوية؛ ليكون ذا نفع لهم؛ ولتكون

في الخندق نفسه مع الجيل الجديد، بتفهم متطلباتهم العصرية وظروف زمانهم.

لذلك كان الدمج بين المفهوم التربوي والعالم الرقمي ذات أهمية كبيرة، تجمع بين البيئة الثقافية والحاجة التربوية للجيل المعاصر؛ لتنطلق التربية الرقمية، مشيرةً إلى أهمية هذا الدمج بينهما في مواكبة احتياجات وتطلعات هذا الجيل. وإعداده بالشكل السليم؛ لمواكبة التطور وتخطي العوائق التي يواجهها بشكل أفضل. ومع ذلك فلن نصل إلى هذا الهدف بمجرد صياغة أساليب جديدة، والوقوف عند هذا الحد؛ لأن ذلك لا يخدم العملية التربوية إن لم يكن المربي نفسه على درجة من الوعي بهما؛ ليتمكن من دمجهما واستخدامهما، والدخول لعقلية هذا الجيل وبرمجة ونقش ما يحتاجونه من قيم ومبادئ، ترسم لمستقبلهم ملامح الطريق السليم. بتحديد الخطوط الحمراء التي يمنع تجاوزها في الحياة الاجتماعية والعوالم الرقمية؛ ليكونوا على درجة مناسبة من الوعي الذي يجنبهم الكثير من المخاطر.

فالتربية الرقمية: مفهوم يُشير إلى مجموعة من القيم والأخلاقيات والمبادئ التي تُنظم استخدام العالم الرقمي، وتشكل الحماية للجيل الناشئ من الكثير من مخاطره بتثقيفهم حول أخلاقيات استخدامه، وغرسها في عقولهم ضمن برمجة تربوية تُحولهم من الرقابة الخارجية من قبل المربي للرقابة الداخلية الذاتية التي تمنحهم الحماية والرقابة الدائمة في كل مكان وزمان.

وتتمثل أهمية التربية الرقمية في شقين: الأول يتضمن اهتمام المربي بمواكبة العصر والإلمام بلغته التكنولوجية لدمج استخدام التكنولوجيا؛ لتكون داعمة للتربية والتعليم والتثقيف، دون حكرها على الترفيه.

والآخر يهتم بتكوين هالة من المعلومات المهمة لإبحار الأبناء في هذا العالم الرقمي بطرائق أكثر أمناً لهم، بإظهار بعض مشكلاته، وسبل الوقاية منها قبل علاجها، والتي تكون كصمام الأمان لهذا الجيل في العالم الرقمي. وتوجيه مستخدمي العالم الرقمي من المسار المنحرف أو الضار معرفياً إلى المسار الصحيح.

ومن أهم أدوات التربية الرقمية: إلمام المربي بالحد المناسب من المعلومات تجاه هذا العالم الافتراضي. فتحتل قضية مواكبة الآباء - في حدود المعقول - للمعلومات التكنولوجية وتطويع هذه الأساليب في خدمة المنهج التربوي للأبناء على رأس الهرم في التربية الرقمية؛ للحد من سلبيات استخدامه والآثار المترتبة عليه.

فكما كانت من أهم مهمات الأسرة في السابق الدمج الاجتماعي للأبناء وتثقيفهم اجتماعياً؛ ليكونوا على مأمن من المخاطر الواقعية؛ وليتعرفوا على الأخلاقيات الاجتماعية المناسبة: فالآن مع هذه الثورة الرقمية: أصبحت الحاجة لدمج العالم الرقمي ضمن المهمات الأسرية، وتحديداً للوالدين لمواكبة بعض لغات أبنائهم، وبالتالي التقرب منهم ولإبراز المعالم الإيجابية والسلبية في هذا العالم الافتراضي، وشرح أخلاقيات التعامل من خلاله؛ ليمد الأبناء بجرعة تحصينية وقائية ضد المخاطر الممكنة، بحفظ الخصوصية الشخصية والحقوق والآداب العامة للآخرين، والإبحار في العالم الرقمي ضمن حدود الدين والأخلاقيات والقيم؛ حتى يكون وجوده في هذا العالم ضمن إطار البحث عن المعرفة والاستزادة بالعلم، والحد المعقول من الترفيه والعلاقات الاجتماعية؛ حتى لا يكونا هدفاً رئيساً يهدر أوقاتهم دون الاستزادة بفائدة تُذكر.

كما أنه يمكن من خلال التربية الرقمية الارتقاء بالعملية التربوية ككل؛ لتحاكي لغة هذا الجيل فتكون أقرب لمفهومهم وعقولهم، بالتالي تكون أقوى في التأثير عليهم من ناحية. وفي تقبل ما يتحدث عنه الوالدان، كونهم على جانب من المعرفة في هذا العالم، مما يجعل توجيه الأبناء ممكن من خلاله بعض اللمسات الإلكترونية اللطيفة والغير مباشرة، كإرسال مقال يتحدث عن بعض الجوانب السلبية التي يحاول الوالدان تقويمها فيهم، خاصة أن تقبل بعض المراهقين للتوجيه والنقد الغير مباشر يكون أقوى وأنفع، خاصة إن وُجدت عدة آراء تدعم ما يتم التوجيه إليه.

وكذلك من خلال الإشارة لقصة فيها الكثير من الدروس والعبر الإيحائية، فالقصة رسم لصورة تخيلية لمشكلة مشابهة، قد يتعرض لها الأبناء ويُسقطوا أحداثها على بعض الجوانب الحياتية لهم، أو بعض الجوانب الشخصية فيجدوا نتائجها بشكل سريع وواضح؛ مما يزيد من إدراكهم على أن الدخول في مثل هذه المواقف المشابهة يعرضهم لنتائج مشابهة، وبشكل خاص القصص التي تفصّل في الاستخدام الخاطئ أو اللامبالي للعالم الرقمي.

كما أن التواصل الرقمي بالقصة أو الرسائل الإيجابية، أو حتى طرفة عابرة تردم الفجوة بين جيل الآباء والأبناء، وتُشعرهم أن آباءهم يشتركون معهم بلغة موحدة، ويقتربون من جيلهم في بعض الأفكار، وبالتالي يتفهمونهم ويدركون بعض مشكلاتهم؛ مما يجعل علاقتهم أقرب إلى الصداقة والثقة المتبادلة، وهنا محور التربية الناجحة في مصاحبة الأبناء، وكسب ثقتهم وتوجيههم بطريقة تناسبهم. وتغمرهم بالمشاعر الجميلة.اذ إن الكثير من الأبناء يعتبرون والديهم وكأنهم من عصر الديناصورات -على حد وصف بعضهم - من ناحية القدم والبعد عن التكنولوجيا؛ مما يسمح لهم إحساسهم بالتفوق التقني عليهم، برفض الأساليب التربوية والإرشادات الوالدية، على اعتبار أنها تمثل عصرهم المُنقرض ولا تواكب احتياجات وتطلعات هذا الجيل.

فما أشد حاجة الآباء والمربين الدائمة للارتقاء بلغتهم؛ لتواكب الجيل الذي يخاطبونه؛ ليكون التواصل بينهم في أجود مستوياته. فمهما بلغ الوالدان من علم، فهما بحاجة لتطوير الجانب المعرفي للتكنولوجيا؛ حتى لا يكونوا خارج نطاق العصر، ويصبحوا أقل علماً حتى من أطفالهم. فتكون لغاتهم المعرفية معهم متنافرة.

فكما كان التواصل في الماضي مع الأهل والأصدقاء لا يكون إلا بشكل مباشر، ثم تطور عن طريق الهاتف، إلى أن وصل للتواصل المسموع والمرئي في أي وقت ومكان. فإنه بالمِثل لا يمكن حصر التواصل مع الأبناء في هذا العصر على الوسائل السابقة نفسها لجيل مضى. ومن المنطلق نفسه.

كذلك لا يمكن حصر الوسائل التربوية الحاضرة بإطار الماضي نفسه، وبأساليب الماضي. فالدين والقيم والأخلاق ثوابت في كل زمان ومكان، غير أن الأساليب التربوية لابد أن تختلف من زمان لآخر، وقد صدق القائل:"لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم". فلكل زمان أدواته ولن ننتفع باستخدام أو تطويع الأدوات أو الجيل لغير زمانه، بل بتعلم الاستثمار الأفضل لهذا الجيل، من خلال استخدام ما يناسب زمانهم من أساليب وأدوات لتحقيق الأهداف التربوية المنشودة.

 

 

JoomShaper