رابعة الختام
ظاهرة قديمة قدم وجود الجنس البشري، باتت تطفو على سطح العلاقات الإنسانية، وهي ظاهرة “التنمّر” أو العنف ضد شركاء الإنسانية بشكل أو بآخر.
ومع بداية تسليط الضوء عليها بعد أن أفردت لها كافة وسائل الإعلام، المسموع منها والمقروء، صفحات عديدة وأسيل من أجلها الكثير من أحبار الكتابة، أصبحنا نعترف بوجودها رغم عدم اختراعها من فراغ، لكن الحملات فقط كشفت عنها نقاب التخفي.
وتعد حملة منظمة اليونيسف لحماية الطفل من مظاهر التنمر المختلفة بالمدارس تحت عنوان “أنا ضد التنمر” التي اختارت واجهتها الفنان الشاب أحمد حلمي، بشراكة مؤسسية بين عدة جهات منها المجلس القومي للأمومة والطفولة ووزارة التربية والتعليم، بمثابة يد العون الممدودة للأسر وأبنائها للكشف عن الظاهرة ومحاولة تقديم الحلول بعيدا عن مواجهة العنف بالعنف التي

تتبناها بعض العائلات بإطلاق مقولة “من يضربك، اضربه”
ويعرف التنمر بكونه توجيه العنف اللفظي أو الجسدي أو النفسي، وربما الجنسي والمضايقات العديدة من فرد أو مجموعة تجاه فرد أو مجموعة أخرى لكونها أضعف جسديا أو لانتمائها إلى فئة مجتمعية أقل، أو وجود اختلافات جسدية أو إعاقات ذهنية، وهو الاستقواء على الآخر أو تحقير شأنه والتقليل منه.
وباتت الدراسات الاجتماعية والبحوث النفسية التربوية تفرد صفحات وأبوابا لبحث ظاهرة التنمر والوقوف على أسبابها، وتقديم رتوشات وخرائط تحليلية وتوجيهية للتصدي لها، وتنمية المهارات الاجتماعية لسهولة التواصل مع الآخرين وتجنب تنمرهم، إلا أن الواقع المعيش يكشف تناقضا بين الدراسات التي تضمها دفات الكتب وما تضعه من معايير نمطية ترسم طريقا مغايرا لما يسلكه الجميع في تعاملاتهم اليومية.
التنمر ليس قاصرا على فئة بعينها ولا يقف عند شريحة اجتماعية أو عمرية دون غيرها، فغالبا ما يكون المتنمر هو ذاته ضحية تنمر ما، وقع فريسة له في المنزل أو بين الأقران، أو في أماكن العمل والنوادي الاجتماعية وغيرها، وربما لحق بنا التنمر في أماكن العبادة عن طريق إبداء العنف أو ممارسة القهر والتخويف والتهديدات للصغار، والمثال على ذلك أنه في بعض المساجد حين يحدث الأطفال ضجة ما بلعبهم فيخرج أحيانا عليهم الشيخ الكبير بلحيته الكثيفة مهددا ومتوعدا بعقاب الله أو المنع من الدخول إلى المساجد أو دور العبادة أيا كانت، فيُحدث لدى الصغار عقدة نفسية وحاجزا من أماكن العبادة. فجميعنا متنمِّر أو متنمَّر به لا محالة.
انتفضت مجموعة كبيرة من الفنانين دفاعا عن زميلتهم الفنانة الشابة دينا الشربيني وما تعرضت له من مضايقات لفظية على نحافتها الشديدة وفستانها العاري وطلتها الأخيرة في مهرجان الجونة السينمائي المقام على أرض مصر، والحقيقة التي تخفيها هذه الحملة الممنهجة من السخرية ليست مجرد التنمر ولكنها الغيرة النسائية والذكورية على حد سواء من ثبوت وصحة الشائعات المتداولة بارتباطها مع المطرب ذائع الصيت عمرو دياب.
ولم تكن الشربيني أولى الضحايا ولن تكون آخرهم، فهي مجرد رقم تضمه قائمة طويلة من فنانات وفنانين، وأدباء ونقاد، وربما أطباء ومشاهير في كافة المجالات.
لم يخل مجال ما من التنمر والتحرش حتى السياسة الدولية باتت ساحة كبيرة مفتوحة أمام تصدير وإعادة إنتاج العنف بكافة أشكاله، يقوم بها رؤساء دول المفترض بهم النضوج الفكري والإنساني والاستعلاء عن صغائر الأمور وتوافهها.
ربما تكمن خطورة الوضع في كتمان الأمر حين يتعلق بتعرض الأطفال له في مجتمعات مغلقة أو بعيدة عن أعين الأسر منها البيئة المدرسية أو التدريبات الرياضية.
وتحتاج المعالجة إلى المصارحة وفتح نوافذ حوار بين العائلات وأبنائها، خاصة إذا كان الطفل لا يزال في سنواته الأولى ويجهل التفريق بين ما إذا كان ما يتعرض له أمرا تربويا أو عنفا يجب الإفصاح عنه.
قد تتنمر الأسر أيضا بأبنائها بتجويعهم عاطفيا وتعطيش مشاعرهم بتوجيه العنف واللوم الدائمين تجاههم متعللة بكون أفعالهم مجرد أسلوب تربوي صارم، إلا أن هذا النمط في التنشئة يقود إلى ترسيخ العنف في أذهان غضة، تعيد إنتاجه مرة أخرى وتصديره ضد الغير بمن فيهم أفراد أسرهم المستقبلية المفترضة، فندور جميعنا في حلقة مفرغة من العنف والتنمر، لا مناص للخروج منها سوى تدريب الجميع على تقبل الآخرين أيا كانت انتماءاتهم ومعتقداتهم وآراؤهم.

JoomShaper