د.حسان ابوعرقوب
أُمِرنا أنْ نعلم أولادنا الصلاة لسبع ؛ لأنّ الصلاة عمود الدين، وأوّل ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فإذا صَلُحت صَلُح سائر عمله، وإذا فسدت فسد سائر عمله.
وقد ربط الله بين السجود والاقتراب؛ لأن من خلال الصلاة يتقرب العبد من مولاه، ويناجيه، ويدعوه، ويطلب رضاه، ويتوجه للأعمال الصالحة وما أكثرها! وعندما نتحدث عن الأعمال الصالحة التي تصل بالله تعالى وتقربنا إليه فنحن نتحدث بالضرورة عن مكارم الأخلاق: من صدق، وأمانة، وبرٍّ، وحُسنِ خلق، وكلام طيب، ونزاهة، وعفة، وبرٍّ للوالدين، وإحسانٍ للجار من المسلمين وغيرهم، وصلة للرحم، وأداء للحقوق، ووفاء بالعهود، وبعدٍ عن كلّ: غشٍّ وخديعة ومكرٍ، وغيبة، ونميمة، وكذبٍ، ونفاق، وأكلٍ للحرام، وسرقة، ونهبٍ، ورشوة، وإيذاءٍ للناس، وانتهاك للحرمات، واعتداءٍ على

أموال الناس أو أعراضهم. كل هذه المعاني ينبغي أن تُعلّم مع الصلاة، فهي التي تعطي للصلاة ثمرتها المرجوة، لتكون صلة بالله تعالى، لا مجرد حركات وسكنات لا ثمرة لها. فمن ثمرات الصلاة بعد الخضوع لله والامتثال لأمره أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإن لم ينته المصلي عن الفحشاء والمنكر، فما فائدة الصلاة؟
الصلاة طهارة ونقاء، وسمو بالروح والنفس والعقل من العالم الأرضي المادي إلى العالم السماوي، من المُلك إلى الملكوت، من البشر إلى خالقهم ورازقهم، انتقال من الضعف إلى القوة، ومن العجز إلى القدرة، ومن اليأس إلى الأمل، لذلك دعينا أن نستعين بالصبر والصلاة على كل شؤون الحياة، وأمرنا بإقامتها وتعلمها في صغرنا، وفي بداية تمييز عقولنا، لتكون لنا سلاحًا نواجه به عواصف الحياة وزلازلها، لنبحر من خلالها ونصل إلى شاطئ النجاة، إلى حضرة الرب القدير، الذي إن أراد شيئا إنما يقول له كن فيكون.
الصلاة تعلمنا أن نُحْكِم صلتنا بالله تعالى، وأن نتعلق به، وألا نجعل أحلامَنا بيد العبيد، وآمالنا بإرادة الخلق، لنكون أحرارًا من يد وإرادة كل عبد مثلنا، لا يملك لنفسه موتا ولا حياة ولا نشورًا، إنها تعلمنا معنى الحرية، لأننا أصبحنا عبيدا لله وحده، فلا تسجد جباهنا لغيره، ولا تنحني ظهورنا لسواه، إنّ الصلاة تعلمنا معنى الكرامة الإنسانية، وهي الحق الأول من حقوق الإنسان.
كما أنها تعلمنا المساواة بين البشر، فهم من أب واحد وأم واحدة، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فعندما ندخل للصلاة ننزع أحذيتنا، وفي ذات المكان ننزع رتبنا ومناصبنا وثروتنا وجاهنا وحسبنا ونسبنا، ونصطفُّ بجانب بعضنا، كتف الغني بجانب كتف الفقير، والوزير بجانب الموظف المسكين، كلنا أمام الله سواء، نرجو رحمته، ونخشى عذابه، ونرجو جنته، والنظر إلى وجهه الكريم، إنها المساواة بين البشر بأبلغ صورها، وهي حق أصيل من حقوق الإنسان.
ومن خلال أوقاتها المحددة تعلمنا الصلاة احترام الوقت وتنظيمه، فالمصلي يعرف قيمة الوقت وحقه، مما يجعل هذا السلوك في الصلاة ينعكس على سائر حياته، فلا يعرف المصلي خُلف الوعد، أو التأخير لغير عذر، أو المماطلة؛ لأن احترام الوقت قد تعلمه من صغره بتعلمها.
الصلاة ذكرٌ لله تعالى، تريح القلب والنفس والعقل والوجدان، والحياة بطبيعتها تخلق القلق والمرض والاضطراب، فالصلاة تجدد نشاط الإنسان ومقاومته لنكد الحياة، فلا يعرف اليأس ولا القنوط من رحمة الله.
الصلاة التزام، والالتزام يعلمنا المثابرة والجد والاجتهاد، ويبعدنا عن الخمول والكسل، ولا يمكن للإنسان أن يبني وطنه وأمته دون جِدٍّ ومثابرة. فالصلاة تعلمنا بناء الأوطان وحمايتها، والمحافظة على أمنها، كي ننعم بصلاة نخشع فيها لله تعالى.

JoomShaper