يمينة حمدي
أتذكر عندما كنت وإخوتي صغارا كيف كان والدانا إذا ما أكثرنا من النقاش واحتد الجدل بيننا حول مواضيع تتعلق بمغامرات وأفلام الصور المتحركة أو بالدراسة، ينهراننا بقولهما “كفوا عن التفلسف الفارغ وأريحونا من التساؤلات التي لا طائل منها”، لم نكن ندرك وقتها ما معنى كلمة التفلسف؟ ولكن هذه الكلمة ارتبطت في أذهاننا بخلفية سلبية، وأصبحنا نحن أنفسنا نطلب من بعضنا البعض ومن زملائنا في المدرسة بالكف عن التفلسف، لاعتقادنا أن التفلسف ليس سوى هياط ومياط لا طائل من ورائه سوى وجع الرأس والهرج والمرج، كما سمعنا ذلك مرارا وتكرار من والدينا.

ويبدو أن المفهوم السلبي لكلمة التفلسف لم يكن حكرا على أسرتي المصغرة، بل هي تطلق جزافا داخل جميع الأسر والمجتمعات العربية بشكل عام، كتعبير مرادف من البعض للرأي أو السؤال الذي لا يستسيغونه أو يضجرهم أو لا يتوافق مع وجهة نظرهم، فلا يجدون غير كلمة التفلسف حاضرة في أذهانهم، فيطلقونها جزافا على أي شيء، ويفرقونها بسخاء على هذا وذاك، ولو كان عالم الرياضيات فيثاغورس مبتكر لفظ الفلسفة يدرك أن الناس سيجيدون التعصب أكثر من الفلسفة لربما كان فكر في تأسيس علم آخر مرادف لـ”حب الحكمة” وأطلق عليه اسم “حب التعصب”، لكن من حسن حظه أنه لم يعش في هذا الزمن ورحل وفي نفسه شيء من حب الحكمة وليس التعصب.
كلمة التفلسف التي تنطق بها ألسنة الآباء لتدخل آذان الأبناء، والآباء بدورهم غالبا ما يكونون قد سمعوها من آبائهم، الذين قد يكونون أيضا توارثوها من خلفيات اجتماعية متجنية على الفلسفة والفلاسفة بصفة عامة جراء ما التصق بهم من تهم بالكفر والزندقة. وقد تعمدت الحكومة التركية العام الماضي استبعاد نظرية داروين للتطور بدعوى أنها معقدة جدا على طلاب المرحلة الثانوية، إلا أن محمد باليك نقيب المعلمين وصف ذلك بالخطوة الكبيرة في الاتجاه الخطأ بالنسبة للمدارس التركية وبمحاولة الرئيس رجب طيب أردوغان تجنب تربية “أجيال تطرح أسئلة”.
للأسف هكذا تنطبع الصور النمطية والسلبية عن بعض الأشياء وكل الأشياء تقريبا وبالتلقين وبالقوة أحيانا من أشخاص لا يعرفون عن الفلسفة غير كلمات مضللة لا يمكن أن تكون مرادفة لـ”حب الحكمة” ولا معبرة عن المعنى الحقيقي للفلسفة، تاركين للأجيال صورا ذهنية مليئة بالالتباسات وحلقة مفرغة من المعتقدات الخاطئة من الصعب كسرها أحيانا، إلى درجة أنني عندما درست الفلسفة في نهاية المرحلة الثانوية انتابني إحساس بالرفض لهذه المادة، وراودتني الكثير من التساؤلات عن الغاية المرجوة من تدريسنا الفلسفة التي لا طائل من ورائها، ودفعني فضولي وحيرتي إلى سؤال أستاذ الفلسفة من أول حصة عن معنى الفلسفة علني أجد عنده جوابا يصحح ما علق في ذهني من شوائب عن “حب الحكمة”.
ضحك الأستاذ حينها بصوت عال وطلب مني أن أردد على مسمعه سؤال “ما الفلسفة؟” ففعلت، فأجابني يومها بقوله “ها أنت تتفلسفين، فالفلسفة تبدأ بالتساؤل، ثم تأتي مرحلة النقاش وتقديم الحجج في نسق منظم…”.
عادت إلى ذهني يومها كلمات والديّ وهما ينهراننا عن التفلسف، إلا أن ذلك لم يثنني عن التفلسف والنقاش وإثارة الكثير من الجدل حول العديد من المواضيع التي علمتني الفلسفة أنه لا يجب أن نتقبلها على أنها مسلمات، ووجدت المجال أرحب في مهنة الصحافة التي ساعدتني على النظر إلى حب الحكمة بنظرة أشمل.

JoomShaper