بقلم : عبدالرزاق العنزي
دخل رجل على إبراهيم بن الأدهم العالم العابد، يشتكي له كثرة العيال وقلة الحال وعجزه عن توفير لقمة العيش لهم، فقال له إبراهيم: ائتني بولد ليس رزقه على الله وأنا أتكفل به، فاستحى الرجل وعاد إلى بيته بهذه الحكمة العظيمة والمنطق الجميل.
وعليه لا تحاكمني يا ولدي إن قلّ الحال وضُيّق على الرزق والمال فهذا ليس تقديري وحكمي فالرزق مقسوم من عند الله فلا حول ولا قوة لي فيه غير السعي وراءه وبذل السبب لجلبه.

فلا تحاكمني يا ولدي إن اشتهيت شيئاً وتاقت نفسك لأخذه ولم استطع إحضاره لك فرزقي مقسوم، لا تحاكمني يا ولدي إن رأيت أبناء جيرانك يرفلون بالنعم والرفاهية وأنت في حال أقل منهم، فلا تلمني إن رزقي مقسوم، لا تحاكمني إن تفاخر زملاؤك في المدرسة بالملبس والألعاب والرحلات حول العالم وأنت في عسر حال لا تتعدى حدود مدينتنا، فرزقي مقسوم، لا تحاكمني يا ولدي إن كبرت ولم أُدخلك أفضل الجامعات مع زملاء الدراسة فرزقي مقسوم.
يا ولدي كنت أتمنى أن أضع بين يديك كنوز الدنيا وأساور الملوك والقياصرة وأموالاً تغنيك عن ذل السؤال والمهانة بين الناس ولكن رزقي مقسوم وجهدي ضعيف، فلا تقس علي يا ولدي إن تغربت وابتعدت عن الوطن من أجل لقمة العيش لكم وستر الحال عليكم وكبرتَ وأنا بعيد عنك في ديار الغربة في وقت أنت بحاجة إلى حناني وعطفي وتوجيهي، فلا تقس علي فرزقي مقسوم.
يا ولدي نحن الأباء نتحمل من الضغوط الحياتية واليوميات المقلقة من منكدات العمل ما لا تعلمه، فكم من مرة تعرضنا لمشاكل ومصائب في أعمالنا كتمناها عنك حتى لا نعكر عليك صفو عيشك، ندخل البيت وننفصل عن واقع الحياة المتعب ونجالسك ونطمأن عليك ونشاطرك هموم الدراسة وطموحات المستقبل، ولا نشعرك بثقل همومنا في الخارج، كم مرة أخطأنا في مكان ما أو اتخذنا قرارات خاطئة وتحملنا نتائجها وذقنا ويلاتها دون أن تشعر أنت فيها خوفاً على مشاعرك وأحاسيسك، لا تقس علي يا ولدي إن حدثت مشاكل أسرية في بيتنا لا تفهمها أنت لصغر سنك فالحياة ليست صافية ففيها من المنغصات والمزعجات والمنكدات ما الله به عليم «لقد خلقنا الإنسان في كبد».
يا ولدي سيأتي يوم تذبل فيه الزهور وتزوى الأغصان وتغادر البسمات غرفتك وزوايا بيتك وتعلوك الأحزان والهموم على فراقي، فعندما تقرأ كلماتي أو تشاهد صوري والدموع ملأى في مقلتيك والحزن الطويل يسكن فؤادك ويكوي روحك عندها تذكر فقط أني أحبك رغم مسافات الغربة الطويلة التي كانت بيننا، تذكر أني أفنيت عمري وحياتي محاولاً إرضائك وتأمين لقمة العيش لك سواء استطعت فعله أم لا، تذكر أباً يبكي لبكائك بصمت ويفرح لفرحك بصوت عال يُسمع فيه الخليقة وتزدان الدنيا في عينيه بهجة لمسراتك وضحكاتك.
تذكر أباً عزائه في الدنيا أنه يتغنى بأخلاقك وسيرتك الحميدة بين الناس على قلة الحال ويتفاخر بين الأباء بمستواك الدراسي وتفوقك ونبل أفعالك، فالآلام التي عانيتها معي جعلت منك هذا الشاب العصامي الطموح، وإذا سأل أحد عن والدك فلا تشح النظر عنه وجاوبه بفخر أن أباك سيودع الدنيا وهو يحبك ويفخر بأنك ولده.
والآن يا ولدي قد كبرت أنا كما كبرت أنت وقد تجاوزنا مراحل طويلة من آلام الحياة ومنغصاتها وها أنت تختار الغربة طلباً للرزق ولقمة العيش لك ولأولادك، ولكن يا ولدي طال المقام بغيابك واشتاقت النفس لرؤياك واخشى الموت قبل لقياك، فعد يا ولدي لأشتم رائحة طفولتك كما اشتمها يعقوب في يوسف من مسافات بعيدة.
ولكن يا ولدي إن عدت ولم تجدني فاعلم أني راضٍ عنك وأن دعواتي لك بالخير والتوفيق ملازمة أنفاسي وأن قلبي مفطور على حبك وتذكر قول الشاعر:
سأراك او قد لا تراني بعد موتي والأنين
فإذا رجعت إلى بلادك بعد كرات السنين
فأسأل ثرى قبر ستعلم أنه قبر حزين
فاسكب عليه دموع بر هاطلات بالحنين
فالموعد الجنات ميعاد العبيد الصالحين

JoomShaper