شيماء عبد الله-القاهرة
"كيف سأربي ابني"؟ بدأ التساؤل مبكرا لدى أماني، كانت في شهور حملها الأولى، حين بدأت قراءة مدونات التربية الإيجابية؛ كان حملها الأول، تستمع للموسيقى، وتمارس الرياضة، وتقرأ القصص بصوت عال لجنينها؛ كل هذا أخبرتها به المدونات، فهي تربى جنينها قبل أن تلده؟
الأب أيضا كان يشاركها الغناء وقص الحواديت، ووضعت أماني طفلا جميلا، واستكملت الرحلة التي بدأتها منذ الشهور الأولى، لكنها هذه المرة كانت وحدها تماما، هي وصغيرها تيم ومعهما الكثير من الدورات التدريبية.

"أنا أحبك، ولكن لا"
يُحكى أن أمًّا قررت أن تسلك طريقا مختلفة لتربية أبنائها، بعد أن فشلت الطرق التقليدية في تقويم سلوكهم، فكانت "التربية الإيجابية"، وكانت "جان نيلسن"، التي أسست هذا المنهج في ثمانينيات القرن الماضي، فكتبت كتابها الأشهر ضمن سلسة لم تتوقف عن المنهج ذاته، الذي عرفته أمهات مصر في الأعوام الأخيرة، وفيه يولد الطفل على الفطرة، وبالمحبة والرعاية، والاحتواء بالاحترام والتوجيه السليم؛ يمكن أن يصبح نموذجا خلوقا ومسؤولا، ومتفوقا في الكبر، يقدم الحب في التربية الإيجابية غير مشروط بالتفوق، غير مشروط بالسلوك الجيد، غير مشروط بالصمت والكف عن اللعب والحركة، أن تُربي إيجابيا فهذا يعني أن تكون قادرا على أن تقول "أنا أحبك، لكن لا".
موضة التربية الإيجابية
مثل كل شيء جديد يتحول في مصر إلى موضة، لها أتباع ولها رافضون؛ تحولت التربية الإيجابية إلى نمط جديد للتربية، يتبعه الغاوون، ويبتعد عنه أصحاب شعار "هذا ما وجدنا عليه آباؤنا".
تقول أماني القداح (إحدى الأمهات التي أقدمت على تربية طفلها الوحيد باستخدام أساليب التربية الإيجابية) "مررت في التجربة الإيجابية بمرحلتين: مرحلة كانت عبر الإنترنت من خلال دورة تدريبية لم تفدني كثيرا، لكن كانت المرحلة الفارقة معي هي التجربة التي خضتها مع طفلي أثناء حضوري تدريبا تربويا في إنجلترا، حيث عرفت هناك معنى أن تكوني أمًّا حازمة ومحبة في الوقت نفسه".
العنف الذي تمارسه الأم المصرية، والإيذاء النفسي والبدني، اعتبره المنهج البريطاني في تجربة أماني سبيلا غير ناجح في التربية، وما ينتج عنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينتج إنسانا سويا، فضلا عن كونه طفلا، وسط مجموعة من الأمهات متعددات الجنسية.
تعلمت أماني أن تكون حازمة وعطوفة، وأن تسمح لطفلها بالحصول على متنفسه، فيترك لها متنفسها، وأن تتعامل مع طفولته على أنها ليست باقية للأبد، وأن عليه الاستمتاع بها كما يجب، وكما تفرضها عليه وعليها مرحلته العمرية.
الاستجابة لطلبات الولِد
بين شد وجذب، نجاحات وانكسارات، بدأت ملامح التربية الإيجابية تظهر على تيم، يشارك الأب أحيانا بشكل واع، وفي أحيانا أخرى تغلب عاطفة الأبوة، أما عن الأجداد فترى أماني، أن أصعب الأوقات التي كانت تكابدها هي أوقات عودتها لمصر، وإقامتها في منزل عائلتها، حيث تتحول كل مظاهر الترحيب بها وبطفلها إلى عمليات وأد لتربيتها الإيجابية، من خلال التدليل الزائد والاستجابة الدائمة لطلبات أعز الولِد، ولا تنكر أنها أحيانا تغضب، وتفقد أعصابها أمام طفلها، أو تدعه أمام التلفزيون بقدر أكبر من المسموح لانشغالها عنه أحيانا، وتعود لتؤكد "لكنني سريعا ما أعود لممارسة أنشطتنا سويا حسب الجدول المعد سلفا".
تربية مستمدة من ديننا الإسلامي
الخوف من "قولبة الأطفال"، ووضعهم تحت ضغط "النموذج المثالي"، هو ما خشيت منه نهال عبد الله، التي حصلت على تدريبات في التربية الإيجابية، ومنهج المنتسوري، وتنمية بشرية، وكانت النتيجة من كل ذلك هو نظرية خاصة وضعتها كمنهج لعلاقتها بابنتها؛ "ليس ضروريا أن أسير وراء المنهج حرفيا، لكنني آخذ منه وأضيف إليه بحسب مواقفي الحياتية مع طفلتي، ورغم كل دراستي لتلك المناهج، وجدت زوجي يتعامل بها مع طفلتنا دون دراسة أو قراءة، لكنه درس العلوم الشرعية وقرأ للسنة، ويتعامل مع ابنتينا وفقا لتربية رسول الله لبناته، وهكذا اكتشفت أن كل ما أتت به جان نيلسن هو في الواقع مستمد من ديننا الإسلامي".
المشاكل الأسرية وعنف الأطفال
التربية الإيجابية في بعض الأحيان لا تكون قرار البداية، لكنها قرار الصدمة حين تكتشف أن طفلك تأثر سلبيا بمشاكل الأسرة، أو بالأسلوب السلبي في التربية، هكذا عرفت "عزة. م" -الأم الأربعينية- أن طفليها بحاجة إلى تدخل لطبيب نفسي، أو خبير لتقويم سلوكهما، كان الطفلان دخلا معركة مع معلمة فصلهما، حيث شدا حجابها، وكسرا الأبواب والمقاعد، هما طفل وطفلة في صفهما الثاني من روضة الأطفال، فما الذي يدفعهما لهذا الفعل؟
كانت الإجابة لدى الطبيبة النفسية "المشاكل الأسرية"؛ علاقة متوترة بين زوج وزوجة، جحيم انتقل للطفلين، لم يجدا سوى العنف متنفسا لمشاعر الغضب داخلهما، بدأت الأم أولى مراحل العلاج، بمساعدة الطبيبة ومرشدة التربية الإيجابية، التي استعانت بها للخروج بالأطفال إلى بر الأمان بدل الغرق إلى ما لا نهاية في إيذاءهما النفسي. وتقول "توقفت عن الشجار مع والدهما، وتخليت عن كبريائي من أجلهما، وبدأت أتفاعل معهما وأشاركهما أنشطة تكفل لهما التعبير عما داخلهما، مثل الرسم والحواديت، ومشاركات في المطبخ والمشاوير، وتحمل المسؤوليات ومشاركة الأعباء، والثواب والمكافأة والإرشاد، والتشجيع بدل المدح أو الذم، والحل بدل اللوم، والدعم والمنح، والعطاء وانتظار النتيجة"؛ هكذا حلت عزة مشكلة طفليها.
استجابة الطفلين لم تكن واحدة، فكانت أكثر إيجابية مع البنت مقارنة بشقيقها الذي كان أشد تأثرا بما يدور حوله من مشكلات. وعلى مدار عامين، حصلت الأم على نتيجة ليست كاملة، لكنها ازدادت يقينا بأنه لا مجال للعودة للوراء، وأن عليها الاستمرار قدما في تربيتها الإيجابية كي تنشئ شابا وشابة قادرين على مواجهة العالم ومشاكلهما الأسرية.
خلطة العقاب وصعوبات التعلم
أميرة أحمد، معلمة تربية إيجابية للآباء والأمهات معتمدة من مؤسسة التربية الإيجابية الأميركية، وموجهة "منتسوري" دولي، اعتبرت أن ما يحدث في مصر ليس تربية إيجابية بمفهومها العلمي، وأن ما تطبقه الأمهات المصريات هو أقرب ما يكون للمثل العامي "سمك لبن تمر هندي"، فهو تجميع لعدة مدارس في التربية، بإضافة الخلطة المصرية التي لا تخلو من العقاب، ثم الحضن والدموع، فلا تؤتي التربية ثمارها.
تضيف خبيرة التربية الإيجابية أن هناك خلطا واضحا في المفاهيم والتخصصات في مصر بخصوص التربية الإيجابية، فيضاف إليها صعوبات التعلم، وتشتت الانتباه وفرط الحركة، وهذه ظواهر نفسية لها علامات، وتحتاج لتدخل طبي سلوكي ودوائي، والتعامل مع أي شقاوة للأطفال، أو أي أسئلة مزعجة على أنها تشتت انتباه وفرط حركة هو من أخطر ما يواجهه الأطفال اليوم.
وتؤكد موجهة المنتسوري أن دورات التربية الإيجابية على تعددها الآن في مصر، سواء على الإنترنت، أو في المراكز والندوات، الاستفادة منها لم تتحقق بعد بالشكل المرجو، لكن هناك تطورا ملحوظا في الوعي الجمعي بضرورة تغيير طرق التربية التقليدية، وهذا الوعي غير مرتبط بطبقة اجتماعية معينة؛ فالمعلومة متاحة للجميع، حتى الأسر الفقيرة تتيح لهم المراكز الحضرية في القرى والأحياء الفقيرة ندوات لتنمية الوعي بطرق التربية الحديثة.

JoomShaper