محمود إبراهيم بدوي
يا له من فتى كاد الأسى والحزن أن يطرحه أرضًا، ولا يُقيم له قائمة لولا تمسُّكه بأمل ينجيه من همٍّ ألَمَّ به، وجعله فريسة لدموعه وانكسار قلبه، ولكن دومًا وأبدًا يبقى باب الله الذي لا يغلق في وجه من قصده وتمسَّك به بكل ما أُوتي من قوة، يبث له حزنه وشكواه يقينًا منه أنه سيُدركه برحمته، ويُنقذه من حزن تسلَّط عليه - كالقَرضة - يأكل نفسيته وأعصابه!
ومشكلة ذلك الفتى بإيجاز عدم العدل في المعاملة بينه وبين إخوته، فرفقًا بأبنائكم معشر الآباء والأمهات.
يظن بعض الآباء هداهم الله أن العدل بين الأبناء يقتصر على العدل المادي فقط، ولكن قد يكون العدل المعنوي بالنسبة للأبناء أشد احتياجًا وأقوى أثرًا لتوازن نفسي يجعل الأبناء أتمَّ برًّا بآبائهم، وأصدق محبة لإخوتهم.


ثم تأتي المعضلة شديدة التعقيد عندما يعتقد الآباء أنهم يعدلون بين الأبناء وهم لا يفعلون، وتزداد تعقيدًا عندما يرفعون سيف الوقوع في العقوق على رقاب أبنائهم، ولا تتسع صدورهم لدموع أبنائهم، ولا لعتابهم باللطف واللين، فمن يرحم الأبناء إذا إن كان هذا هو منحى الآباء.
أيها الوالد، أيتها الوالدة، أعطاكم الله حقَّ وبالوالدين إحسانًا، وهو حقٌّ لكم لدى الأبناء لا ينفك عنهم ما دامت الحياة، ولا يدخل الجنة عاق، ومن الكبائر أن يعق الابن والديه، والوالدين إحدى أبواب الجنة، صدقًا حقُّكم عظيم وطاعتكم في غير إثم واجبة، ولكن في المقابل أوجب الله حقوقًا للأبناء لدى الآباء، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].
وقال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته)، وقال صل الله عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، وقيل: كانوا يعدِلون بين أبنائهم حتى في القُبلة.
العدل بين الأبناء في كل صوره، سواء أكان عدلًا ماديًّا أو معنويًّا، هو أفضل ما يهديه الوالد لولده، ويكون بذلك أكسبه سلامة الصدر تجاه إخوته، وأعانه على بره، وإلا لن ينفكَّ الابن الذي يعاني من التفريق في المعاملة بالمطالبة بحقه، وتلمُّس العثرات وافتعال المشكلات للحصول على حقه، أو سيصمت حِسبةً لله وقلبه يَحترق، وسيفوِّض الأمر لله، مع استمراره في البر مخافة من الله، وفي الحالتين سيخسر الوالد، فالوالد في غنى عن إثارة المشكلات والبغض والحقد بين الأبناء في عدم العدل بينهم، وإن لم يكن من أجل الأبناء، وجعل الألفة والمحبة بينهم مدى الحياة، فيجب أن يكون من أجل نفسه هو؛ لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، والله حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرمًا، فلا يجوز لوالد ظلم ابنه رغم تلك المكانة العظيمة التي أعطاها الله للوالدين، وإن أمِن الوالد تلك المشكلات؛ لأن الابن كتم في قلبه ولم يُظهر له، وآثر السلامة ومرضاة الله؛ حتى لا يقع في العقوق، فكيف لذلك الأب أن يعلم هل هذا الابن سامحه أم لا، وهو يشكو ظلمه إلى الله، ويسكب الدمع قهرًا، ويدفع من راحة باله وسلامة صحته انهيارًا.
اتقوا الله في أبنائكم، فأبناؤكم هبة ونعمة وهبَها الله لكم؛ لتحسنوا إليهم بحسن التربية والإعالة والعدل بينهم، ولتشكرونه عليها، فتكون ذخرًا لكم في كبركم، فإن أغلظت لابنك القول وكسرتَ قلبه بالقول والفعل، وأسرفت في اللين وحُسن القول والفعل مع إخوته، فماذا تنتظر من ذلك الابن؟ ولماذا لا تسقط هذا الأمر على نفسك، فقد كنتَ أنت أيضًا ابنًا ذات يوم؟ فماذا سيكون شعورك إن عاملك أبواك تلك المعاملة؟!
لا ألومك إن أحببت ابنًا عشرة أضعاف حبِّك لابن آخر؛ لأن المحبة تلك بيد الله، وليست بأيدي بشر، ولكن ألومك إن ترتَّب على هذا التفضيل في المحبة تفرقةٌ في المعاملة بين الأبناء.
وأهمس إليك أيها الابن وأقول: العلاقة بين الوالد وابنه ليست بالتكافؤ بمعنى إن أحسنوا إليك أحسنتَ، وإن أساؤوا أسأت، كل منكما له وعليه، وإن أساؤوا إليك سيحاسبون على إساءتهم، وإن قصَّرت في برِّهم ستحاسب على تقصيرك.
لا تجعل راحة بالك وتقدُّمك في حياتك رهنًا لمعاملة أبويك، إن أساؤوا إليك تغافل وتغافل وتغافل، واصبر مرضاةً لله ولراحة بالك.
أعلَم أنه مؤلم أن القلب الذي تنتظر منه أن يَحتضنك وتبث له شكواك، وترمي على أعتابه حملَك، ويمسح دمعتك، هو الذي يتسبب في تعاستك وألَمِك، ولكن العوض من الله كبير، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، وكيف ظنك بمن كظم الغيظ وصبر على الأذى، بل أحسِن لمن أساء إن كنتَ تظن أن يضيع أجرُك عند الله، فقد أسأت الظن بالله.
اشغل نفسك بما ينفعك ويقطع تفكيرك فيما يؤرِّقك، ويعكر صفو حياتك، وذلك بالنسبة للوالدين وفيما عداهم من الناس.
نصيحة عامة: لا تقِس قيمتك في أعين الناس، بل الأهم هو أن تعلم قدرك لدى الله، فالناس لديهم مائة سبب ليضعوك فوق الرؤوس إن رضوا عنك، ولديهم مليون سبب ليطرحوك أرضًا إن لم يرضوا عنك.
إن أرضيتَ الله وأرضيت ضميرك فيما تقول وتفعل، فليكن شعارك: خُذ العفو وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين.
الأنبياء لم يسلموا من أذى الناس، لنسلم نحن منه والدنيا دار ابتلاء، ويقينًا إن رضيتَ بقدر الله ولو كان مرًّا، وصبرت، فسيعوِّضك الله خيرًا ينسيك ما أصابك، وكأنه لم يكن حتى تطيب نفسك، وسيجعل لك ودًّا ترتاح معهم يبادلونك حبًّا بحب، ويشعرونك بقيمتك وقدرك، وإن صبرت على أذى والديك، ودفعت الإساءة بالحسنة، وكظمتَ غيظك، سيحوِّل الله قلب والديك إليك محبةً ولينًا، فقط أََلِنْ لهم القولَ وتحمَّل أذاهم بابتسامة لا تفارق محيَّاك، وتغافل عما يُسيئك، ولا تناقش ولا تعاتب، وفوِّض الأمر لله، سيكفيك ما أهمَّك ويعوضك خيرًا.
وأخيرًا نصيحة للآباء والأمهات: ارحموا أبناءكم ولا تحمِّلونهم ما لا يطيقون، راعوا نفسية الأبناء واختلاف شخصياتهم، قد تمر التفرقة في المعاملة على أحد الأبناء مرور الكرام، وتكون بردًا وسلامًا عليه؛ لأن الله أكسبه صفات ومكانة في المجتمع جعلته يعتد بنفسه، وأكسبته ثقة يتجاهل معها تلك التفرقة؛ لأن لديه ما يعوِّضه، وابن آخر قد يتلقى تلك التفرقة في المعاملة كخنجر ينغرس في قلبه؛ لأن لديه من خلفية الطفولة والصفات نقاطَ ضَعفٍ أفقدته الثقةَ في كل من حوله، ويحتاج لمزيد من الحنان وإظهار الاهتمام، وإشباع حاجته للاحتواء، ارحموا أبناءكم وتفهَّموا احتياجهم للحب والحنان، وراعوا اختلاف نفسيتهم وشخصيتهم، فالراحمون يرحمهم الله.

JoomShaper