نادرا ما تحظى مسألة الواجبات المنزلية بالاهتمام في النقاشات في قطاع التعليم. فهل هذه المسألة ضرورية؟ أم إنها تثقل كاهل الأطفال؟ هل لها فوائد أم إنها مجرد إزعاج وضغط على التلاميذ؟ إلى حد الآن لا يوجد اتفاق بين المدرسين والأولياء وأبنائهم التلاميذ حول هذه المسألة، إلا أن العديد من المنظمات الدولية أطلقت تحذيرات بشأنها.
ففي نهاية الدوام المدرسي، عادة ما يعود التلاميذ إلى منازلهم محملين بالكتب وبالواجبات المنزلية الكثيرة التي يُطالَبون بإنهائها في بيوتهم.


ورغم أن الطفل في هذه السن يرغب في الحصول على أوقات فراغ للعب، والأولياء أيضا ينظرون إلى هذا الواجب على أنه عبء زائد بالنسبة لهم ولأطفالهم، فإن المدرسين يعتبرون مناقشة الواجب المدرسي تدخلا في أعمالهم.
الواجبات عبء للأطفال وذويهم
وتؤكد دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية أن 34% من الأولاد و25% من البنات البالغة أعمارهم 11 سنة يشعرون بأن الواجبات المنزلية تمثل عبئا عليهم، كما أن هذه الأرقام ترتفع مع التقدم في السن لتبلغ 70% لدى البنات و60% لدى الأولاد في سن الخامس عشرة.
هذه الضغوط المسلطة على الأطفال تؤدي -بحسب منظمة الصحة- إلى زيادة الشعور بالضغط والتوتر العصبي، وتدفع إلى السلوكيات الخطيرة والمشاكل الصحية مثل الصداع وألم الظهر والدوران.
ست ساعات في الأسبوع
تعد إسبانيا واحدة من أكثر البلدان التي تفرض واجبات منزلية، تصل إلى 6 ساعات أسبوعيا من الأشغال التي يتوجب على الأطفال إتمامها في المنزل بعد يوم مدرسي حافل.
وتعتبر المنظمة الدولية للتنمية والتعاون الاقتصادي أن هذه الممارسة تعزز التفاوت وتوسع الفوارق التعليمية بين التلاميذ، لأن الأطفال قد يجدون صعوبة في القيام بواجباتهم إذا لم تتوفر لديهم ظروف الراحة أو المكان المناسب، أو إذا كان أولياؤهم منشغلين ولا يتمتعون بالتعليم اللازم، ولا يعرفون كيفية تشجيعهم على القيام بالأمر.
وأجرت الرابطة الإسبانية لجمعيات التلاميذ والأولياء تقييما لهذه الظاهرة لمعرفة ما إذا كان التلميذ يقوم بواجباته بشكل أفضل أو أسوأ، بناء على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي لعائلته ومحيطه.
وبيّن هذا التقييم أن بعض الآباء والأمهات يحاولون مساعدة أبنائهم، في حين يفضل آخرون الاعتماد على الدروس الخصوصية، ولكن تبقى هنالك شريحة ليس لديها المستوى التعليمي ولا المال اللازم لتقديم أي دعم.
في المقابل يعتبر المدرسون أن الواجب المنزلي يساعد على تعزيز التعليمات التي تلقاها التلميذ في المدرسة، ويدرب الطفل على عادات الدراسة ويشجعه على القيام بمجهود شخصي وتنظيم عمله ووقته، بشرط أن يكون الواجب مفيدا ومتلائما مع قدرات الطفل وسنه ومستواه التعليمي، ويراعي ترك مساحة للعب والراحة والتواصل مع الآخرين.
الواجب المنزلي والضغط العصبي
وبالنسبة للدراسات التي تؤكد أن الواجب المنزلي يسبب الضغط العصبي والمشاكل الصحية لدى التلاميذ، فإن رابطة مدرسي القطاع العام في إسبانيا تعتبر أنه "لا توجد أي أدلة ملموسة على الآثار السلبية للواجب على التحصيل العلمي أو التطور الشخصي للأطفال".
وتدعّم هذه الرابطة موقفها بتقديم استطلاع للرأي حول مدى رضا العائلات في مدينة مدريد على تعليم أبنائها، حيث تبيّن أن 62.9% من الأولياء المستجوبين يعتبرون أن حجم الواجب المنزلي المفروض على أبنائهم حاليا مناسب، و5% يعتبرونه غير كاف، و30.5% يعتبرونه مبالغا فيه.
ويشدد المدرسون على أن تخطيط وتنظيم الواجبات المدرسية في المنزل يعد جزءا من مسؤوليتهم المهنية، ويؤكدون على ضرورة منحهم الاحترام والثقة من طرف الأولياء، وتمكينهم من اتخاذ هذا القرار بشكل مستقل. ولهذا فإن المدرسين يرفضون أي مقترح يلزمهم بعرض معاييرهم المهنية لتقييمها من قبل التلاميذ وعائلاتهم.
كيف تنجو من واجبات ابنك؟
وبالنسبة لإيفا بايلان، وهي أم لثلاثة أطفال ومؤلفة كتاب "كيف تنجو من واجبات ابنك؟" وداعمة حملة تطلب ترشيد الواجبات المنزلية المفروضة على الأطفال، فإن "العديد من المدرسين عندما يطلب منهم تخفيف الواجبات يتحججون بضغط المناهج الدراسية. هذا الأمر قد يكون صحيحا ولكنه لا يبرر إثقال كاهل الأطفال وعائلاتهم".
وظاهرة الواجبات المدرسية متجذرة في ثقافتنا، والمدرس يمكنه فرض كل التمارين والأعمال التي يريدها، وهذه الفكرة يجب أن نضع لها حدا. هنالك في المقابل مدرسون مجددون، لا يفرضون الواجب المدرسي، بل يعملون على مشاريع.
ويمكن اعتبار أن حرية المدرس تجاه تلميذه تنتهي حيث تبدأ حرية الأولياء تجاه أبنائهم، وحقهم في تدريسهم كما يريدون، في إطار سعيهم للتوفيق بين الحياة المهنية والعائلية، بحسب بايلان.
واجبات تقليدية تفتقر للقيمة التربوية
وتحمل بايلان دائما قناعة بأن الواجبات المدرسية التقليدية تفتقر غالبا إلى القيمة التربوية حيث تقول "ليس هنالك أي معنى من تكليف الطفل بنسخ الجمل والكتب، والقيام بالتمارين والأعمال بشكل آلي، هذا مجرد إهدار للطاقة. وينتهي أطفالنا غالبا بحالة إحباط وإرهاق وكرهٍ للدراسة".
ويحتاج الأطفال لأنشطة تحفيزية تشجعهم وتثير رغبتهم في التعلم. إضافة لذلك فإن الوقت الذي يخصصه الأطفال للواجب المنزلي يمنعهم من التفرغ لأنشطة أخرى قد يتعلمون منها الكثير، فبإمكانهم مثلا الطبخ مع الوالدين، ومرافقتهم للتسوق، أو المساعدة في الأعمال المنزلية، وتعلم التعامل مع المشاكل في الحديقة أو المتنزه، عندما لا يكونون غارقين في الواجبات المنزلية.
وفي الختام تطلق إيفا بايلان نداء لكل الأولياء بضرورة التحدث عن هذه المسألة، وعدم التزام الصمت إزاء المعاناة التي تسببها لهم الواجبات المنزلية المفروضة على أطفالهم.

JoomShaper