أمل الكردي*
عمان- اتخذ العنف أشكالا عدة، أبرزها وأكثرها تأثيرا بالشخص المعنف: العنف الجسدي والعنف النفسي أو العاطفي.
أما داخل الأسرة فلا يقتصر العنف على الشكلين السابقين، فقد يكون أيضا من أشكاله السيطرة وفرض الرأي على الأبناء بطريقة حادة تخلو من النقاش والحوار حتى تصل لمرحلة الإكراه والتعصب، وربما التمييز بين الذكر والأنثى، وإنشاء المقارنات بين الشخص المعنف وبين أقرانه من أخوته أو المحيط، ولومه على كونه لا يتمتع بما يتمتعون به من سمات أو مميزات.


النظريات التي فسرت ظاهرة العنف الأسري متعددة، لكننا هنا نذهب الى الاعتقاد بأن البيئة الحاضنة للفرد هي المؤثر الأول في سلوكه، فهو يتأثر بمحيطه وبالأسرة والمجتمع، بالتالي تتشكل لديه أفكار، ويتبنى معتقدات معينة تدفعه نحو التصرف بشكل عنيف داخل أسرته خصوصا مع أطفاله.
للأسف، يقوم بعض الأشخاص باتخاذ سبل العنف تجاه أطفالهم سواء كانت بهدف تأديبهم على حسب “اعتقادهم” أو لأنهم يضعون حجة تعرضهم لضغوطات حياتية تجعلهم يفقدون السيطرة والتحكم في أعصابهم.
الأمر المؤكد أن العنف مرفوض تماما تجاه الأطفال مهما كان نوعه أو حدته أو تكراره، وهناك أساليب كثيرة تؤدي الى تعديل السلوك دونما أي إساءة توجه الى الأطفال.
وهناك آثار من المتوقع حدوثها عند تعنيف الطفل جسديا ونفسيا وظهورها بالمستقبل:
– حدوث كدمات وجروح وربما يتعدى الأمر ذلك ويصل الى حد الكسور أو النزف أو الإغماء وجميعها تؤثر في صحة الطفل الجسدية.
– ربط الأطباء ما بين العنف الجسدي الواقع على الأطفال وإصابتهم بالمستقبل عند بلوغهم سن المراهقة والشباب بالتهابات في المفاصل، والربو، والمشاكل القلبية، والقولون العصبي، ومشاكل في المناعة، وربما يتطور الأمر الى إدمان المخدرات والكحول، بالتالي تدهور الصحة الجسدية لديهم بشكل كبير.
– صعوبات مرتبطة بالصحة النفسية والعقلية، مثل الإصابة ببعض الاضطرابات السلوكية والنفسية ومشاكل في الذاكرة والتركيز وضعف في اتخاذ القرارات وإيذاء الذات أو المحيط.
– تحول هذا الطفل إلى راشد يسيء لأطفاله ويعنفهم تماما بالطريقة نفسها التي تم تعنيفه بها يوما.
من الجدير بالذكر أن الطفل المعنف يتحول الى شخصية منطوية على ذاتها وغير واثق من نفسه قليل الكلام سريع البكاء والغضب، فاقد الإحساس بالأمان والاستقرار الأسري، وربما يدخل باضطرابات نفسية مثل اكتئاب الطفولة، القلق، انخفاض مفهوم الذات، ومشكلات تظهر بالمدرسة، فمن الممكن أن يتأثر تحصيله الأكاديمي، ويعاني من ضعف في إنشاء العلاقات، إضافة الى أنه قد يتعرض الى مشكلة التبول اللاإرادي.
في حال كان العنف موجها من قبل الأم أو الأب، لا بد أن يقوم الطرف الآخر باتخاذ الإجراء المناسب لعلاج ووقف العنف، وعدم السماح له بالاستمرار بذلك السلوك تجاه الطفل بحجة أنه والده أو والدته، لأن العنف لا يبرر أبدا، ومن المعلوم أنه سيؤدي الى تفكك الأسرة وتشكيل أفراد يمارسون العنف الذي سينقلونه الى المجتمع، بالتالي يهددون الأمن المجتمعي.
كيف من الممكن التصرف تجاه العنف الموجه ضد الأطفال؟
لابد أولا من اتباع سبل الوقاية للحد من حدوث هذا النوع من العنف، ويتمثل الأمر بالآتي:
– القيام بحملات توعية تحتوي على برامج خاصة تحذر من أخطار العنف تجاه الأطفال، وتذكر بالقوانين والتشريعات المتعلقة بحماية الطفل والأسرة.
– عقد دورات للمقبلين على الزواج بهدف تهيئتهم للحياة الزوجية، وتبني لهم أسسا وقواعد تحافظ على جدار أسرتهم وتكسبهم بعض الخبرة في حل المشكلات التي من المتوقع أن تحصل بينهم أو من الممكن أن يواجهونها مع أطفالهم في المستقبل.
في حال تعرض الطفل للتعنيف.. ما الإجراءات المتبعة للعلاج وتخطي هذه المشكلة المؤلمة؟
– أول خطوة نحو العلاج هي وقف الاعتداء والعنف تماما الممارس على الطفل وتوفير جو آمن ومحب له.
– عرض الطفل المعنف على معالج نفسي، وكذلك الأمر بالنسبة الى أحد الوالدين “الذي قام بعملية التعنيف” لأن كليهما بحاجة الى علاج.
– المتابعة المستمرة للطفل سواء كان ذلك من قبل الاختصاصي، أو أفراد الأسرة.
ينصح أيضا بعدم تكرار سؤال الطفل عما حصل معه، ومحاولة توثيق آثار ما تعرض له من أذى عن طريق الفيديو أو الصور حتى لا يضطر الطفل الى التذكر، وإعادة وصف ما حصل، بالتالي يتجدد شعوره بالألم وتأثره أكثر بالحادثة.
تفعيل القوانين الخاصة بالعنف ضد الأطفال وتنفيذها على أرض الواقع، إضافة الى نشر ثقافة تدحض نظرية المجتمع التي تقول إن أهالينا قاموا بممارسة العنف الجسدي علينا، بالتالي لا بد لنا من ممارسته على الأبناء، وأن في ذلك إصلاحا لجميع سلوكياتهم.
ولا ننسى أبدا قدوتنا في هذا الأمر عليه أفضل الصلاة والسلام، فهو لم يعنف أحدا قط بل استوصى بالأطفال خيرا، فهو القائل “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا” في حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي.
فلنتذكر دائما أننا مسؤولون أمام الله عز وجل عن أطفالنا، ولهم علينا حسن التربية وتوفير كل ما يحتاجونه وغمرهم بالحب والعطف والتسامح، وأن نكون لهم مصدر الأمان والاستقرار والملجأ الدافئ والحضن الحنون.
ليس بالضرورة أن يتحول الطفل المعنف الى شخص سيئ مستقبلا، ففي حال تلقيه العلاج أو الاحتضان المناسب من الأسرة مع إيقاف التعنيف الموجه إليه تماما، سيتشافى وتزول عنه الأعراض التي تؤثر في سلوكه، لذلك لابد من وقف العنف فورا حتى يتسنى للطفل أخذ فرصة، ليبقى سليما نفسيا وصحيا، ويخرج للمجتمع بفطرة سليمة، ولا يتسبب بالأذى مستقبلا لأطفاله أو لأحد من أفراد مجتمعه

JoomShaper