هل تتخيل أن طفلك الصغير الذي تحبه وتحاول أن تحميه من أي أذى يخفي عليك سرًّا كبيرًا؟ يتأذى في صمت ولا يستطيع أن يخبرك؟ حسنًا ثلاثة أرباع الأطفال الذين تعرضوا لإساءة أو اعتداء جنسي لا يخبرون أحدًا بذلك، والكثير منهم يحتفظون بسرهم طوال حياتهم.
أكثر من ثمانية من كل 10 أطفال يتعرضون لإساءة أو اعتداء جنسي من أشخاص فى محيطهم الاجتماعي، سواء على يد أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو أحد الجيران. فكلما كانت العلاقة بين الطفل والشخص الذي يقوم بالإساءة أقرب، قل احتمال حديث الطفل عنها للأبد.


لكن.. ما الأسباب التى تجعل الطفل يتحمل الإساءة الجنسية في صمت؟
في عالم مثالي، يخبر الأطفال آباءهم تلقائيًّا بكل ما يزعجهم أو يحرجهم، مثل التعرض للمواد الإباحية أو الإساءة الجنسية. لكن الحقيقة هي أنهم غالبًا لا يفعلون ذلك. يحتفظون بأسرارهم الخطيرة لأنفسهم. ويرجع هذا الأمر إلى خمسة أخطاء يمارسها الآباء يوميًّا؛ ما يجعل مشاركته مثل هذا السر الرهيب، أمرًا صعب.
1- التجاهل.. الخطيئة الأولى!
يتجاهل الكثير من الآباء مشاعر أطفالهم خاصة عندما يعبرون عن أمور تزعجهم، أو عن مشاعر غير مريحة، على أمل أن يجعلوا أبناءهم أكثر مرونة وغير حساسين لأمور قد تبدو من وجه نظر الآباء بسيطة.
كأن يخبر الطفل أحد الأبوين بأنه يخاف من النوم في غرفة مظلمة، فبدلًا من أن يناقشه في هذا الشعور يخبره بأن ينام مبكرًا لكي يستيقظ مبكرًا، وفي الصباح سينتهي كل شيء. في الحقيقة أقسى شعور ممكن أن يختبره الآباء هو رؤية أبنائهم يعانون، وأسهل شيء يمكن أن يفعلوه تجاه هذه المعاناة هو أن يتجاهلوها.
صورة لطفلة تطلب الاهتمام من والدتها
يعلم التجاهل الأطفال ألا يثقوا بمشاعرهم، فيحكمون على أنفسهم بأنهم لا يشعرون دائمًا، وأن هناك شيئًا ما خاطئ بهم.
كيف تتصرف؟ تجاهُل مشاعر الأطفال يُصعِّب عليهم التعامل مع هذه المشاعر حتى في المستقبل. والأسوأ من ذلك أنه قد يؤدي إلى تطور مشاعر ثانوية مثل الخجل أو الخوف. لذلك من المهم أن تبدأ بتعليم طفلك التعرف إلى مشاعره المختلفة، والاستفادة من المواقف اليومية للتحدث مع طفلك عنها.
فعندما تخبر طفلك بأنك تتفهم خيبة أمله لعدم حصوله على اللعبة التي يريدها، فأنت لا تساعده فقط في وضع اسم لمشاعره، بل يمكنك أيضًا تمكينه من فهم تلك المشاعر بشكل أفضل.
2- تسبب لهم الإحراج.. طفلك ليس أضحوكة
يحكي بعض الآباء عن سلوكيات أبنائهم غير اللائقة أمام المقربين أو أمام أحد أفراد العائلة، في محاولة لتعديل هذا السلوك وإجبار الطفل على عدم تكراره.
هذه الطريقه لا تحرج طفلك وتعد إساءة فحسب، بل تجعل طفلك يفقد الثقه فيك، ويتعامل معك بصفتك شخصًا غير آمن للتعامل مع عواطفه.
كونك أحد الآباء أو القائم على رعاية الطفل، يجعلك المسؤول الأول عن نموه العاطفي والاجتماعي، وهذا يشمل مشاهدة العديد من الأخطاء التي تعد جزءًا طبيعيًّا من عملية النمو والتعلم.
لذلك عندما تطلب من طفلك أن يكشف عن تفاصيل تجربة عاطفية أو سلوكية خاصة، فأنت تدمر ثقته فيك بوصفك حاميًا لأهم لحظاته الشخصية خصوصية.
كيف تتصرف؟ عندما يرتكب طفلك خطأ ما، ساعده على أن يدرك أنه لم يتخذ قرارًا ذكيًّا بالقدر الكافي. أخبره بأنك لست غاضبًا من سوء تصرفه وقدم اقتراحات لعدة سلوكيات مناسبة، وامنحه فرصًا جديدة لاكتشاف الخطأ وتعلم الصواب.
حافظ على سرية الحادث، وإذا شاركته مع شخص يجب أن يعرفه (مثل الوالد الآخر)، فافعل ذلك على انفراد، بعيدًا عن طفلك.
3. تشعرهم دائمًا بالذنب.. لا تقع في هذا الفخ
هل سبق لك أن لعبت «لعبة الشعور بالذنب» مع طفلك؟ قبل أن تجيب بالنفي دعني أخبرك أحد الأمثلة البسيطة التى يمارسها معظم الآباء دون أن يدركوا أثرها السلبي في أطفالهم.
عندما تتظاهر بالبكاء أمام ابنك الصغير لإجباره على تقبيلك لأنه لا يمكنه تحمل رؤيتك وأنت تشعر بالحزن، سيقوم الطفل فورًا بتقبيلك لانه تَعَلم أن ليس لديه خيار، حرصًا على مشاعرك، فإنك تُدخِل دون أن تعي شعورًا عاليًا بالقلق والذنب إلى ذهنه من خلال ما قد يبدو لك وكأنه لعبة غير ضارة.
الذنب أداة يستخدمها الآباء اعتقادًا منهم أنها طريقة جيدة للتحكم في سلوكيات أطفالهم. ربما يحدث ذلك بشكل غير واعٍ، لكن استخدام الشعور بالذنب يمكن أن يتسبب في المزيد من المشكلات الاجتماعية الداخلية والخارجية داخل طفلك لسنوات قادمة. فهو لا يعزز سوى الخجل والانطوائية و فقدان الثقة فى النفس.
كيف تتصرف؟ عندما تستخدم الشعور بالذنب طريقة لحث الأطفال على القيام أو التصرف بالطريقة التي تريدها أو للشعور بالسوء تجاه شيء انتهى بالفعل، فأنت تتخذ خطوة كبيرة لمساعدتهم على أن يصبحوا مفكرين قلقين.
الحل الأمثل هو أن تعدل السلوك الذى يزعجك مباشرة، وبخطوات واضحة ومرتبة حتى وإن تطلب الأمر بعض الوقت والجهد. عرض السلوك السيئ وشرحه يجعل الطفل قادرًا على مواجهة المشكلات وحلها بشكل واعٍ دون خجل وقلق.
4- أحبك ولكن.. الحب المشروط خنجر مسموم
يشعر الأطفال بأن آباءهم هم خط الدفاع الأول لهم في الحياة، لذلك يمكن أن يشعروا بالخوف عندما لا يشعرون بأنهم يحمونهم. الشعور بالتخلي المعنوي يهدد استقرار طفلك العاطفي والنفسي.
بطريقة ما أنت تمرر هذا الشعور لطفلك عندما تخبره عقب كل سلوك مسيء، بأنك تحبه لكنك ستتوقف عن حبه اذا أساء التصرف أو إذا تصرف على هذا النحو مجددًا.
كيف تتصرف؟ قدم لطفلك الحب والدعم غير المشروط لذاته وليس لسلوكٍ جيد، أما عندما يتعلق الأمر بسلوك مسيء أنت ترفضه، عبِّر عن رفضك للسلوك وليس للطفل. فالحب غير المشروط هو حصن طفلك كلما شعر بالتهديد أو عدم الأمان أو التنمر أو الضعف.
5- التململ من الأسئلة.. لا تتركه يبحث عن مصدر آخر لإجاباته
وجدت دراسة أجرتها جامعة ميشيغان أنه في سن الثالثة تقريبًا، يبدأ الأطفال في القيام بدور نشط في تعلم المزيد عن بيئتهم. إحدى الطرق التي يتجلى بها هذا، هي من خلال طرح الأسئلة. فذلك يشكل مهارات التفكير النقدي والتعلم عند الطفل. حالة الفضول التي تصيب الطفل هذه لا تكون مريحة للكثير من الآباء خاصة مع ضغوط العمل والحياة؛ مما يدفع الآباء إلى عدم الإجابة عن تلك الأسئلة، والسعي لإسكات الطفل .
كيف تتصرف؟ يسأل الطفل في سن الثالثة ما يعادل 200 سؤال تقريبًا، وعند مواجهة هذا الرقم المخيف، هناك شيء واحد مهم للغاية يجب أن يدركه الآباء؛ يطرح الأطفال أسئلة على الأشخاص الذين يحبونهم ويثقون بهم.
يعمل هذا التبادل للاستفسارات والإجابات على نمو وتقوية روابط الثقة مع الأطفال ودعم تعطشهم للمعرفة. بالاضافة إلى الفضول والرغبة في المعرفة؛ إذ يوضح جيمس برش، طبيب نفسي للأطفال، أن الأطفال يطرحون الأسئلة وسيلة لجذب الانتباه أو التعاطف من أحد أفراد أسرتهم. ومع ذلك، من المهم تصفية هجمة الأسئلة هذه وتحديد متى يكون السؤال مهمًّا حقًّا لطفلك، أو مطمئنًا له. لذلك حاول تركيز جهودك على الاستماع الفعال والتواصل قدر الإمكان، وخاصة عندما يكون ذلك مهمًّا لطفلك.
الأسرار السيئة VS الأسرار الجيدة
بقي أن نشير إلى أن مشاركة طفلك لك كل أسراره أمر مضر لتنمية شعوره بذاته وقدرته على تكوين صداقات، فالحفاظ على الثقة هو مفتاح الحفاظ على جميع العلاقات في الحياة، ومهارة يجب أن يتعلمها الطفل منذ الصغر. لذلك يجب أن نعلم الطفل ما هو مقبول للمشاركة وما هو غير مقبول، وفقًا للمرحلة العمرية المناسبة للطفل.
فتشير سارة أود هيرتي، أخصائية علم النفس الإكلينيكي، إلى أنه في سنوات الطفولة المبكرة – الفترة من سنتين إلى خمس سنوات – يجب أن تأتي السلامة دائمًا قبل الخصوصية. يجب أن تعلِّم الطفل ما هو السر «الجيد» وما هو السر «السيئ»، و أنك موجود دائمًا لمساعدته على اختبار ذلك.

JoomShaper