سيباستيان فاليتي
تسعى السلطات الكورية الجنوبية الى تحسين ترتيب مؤسساتها التعليمية، وتطوير انظمتها التربوية، بضغط من الأولياء، الذين يرون بأن النجاح المدرسي هو مفتاح التطور والنمو الاجتماعي. «العالم بيد من ينامون في وقت متأخر»: هذه الجملة هي بمنزلة العملة الصعبة بالنسبة للنظام المدرسي في كوريا الجنوبية، التي لا ينام تلاميذها الا بعد منتصف الليل.
يصل المعدل الاسبوعي لساعات الدروس التي يتلقاها تلاميذ بلد «الصباح الهادئ» الى 50 ساعة، وهم بذلك الاكثر اجتهادا في العالم وفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
يقول الطالب الجامعي يون جو (20 سنة): «يعتبر النظام الدراسي عندنا جنة بالنسبة للمجتهدين، لكنه بمثابة الجحيم لدى اولئك الذين يكرهون المدرسة». يبدأ اليوم الدراسي في كوريا الجنوبية في الساعة الثامنة صباحا، لكن التلاميذ يتلقون دروسا اضافية بعد العشاء الذي يقدم في العادة عند الساعة السادسة مساء.
لا تبدأ السهرة الا في حدود الساعة التاسعة والنصف ليلا، حيث تصطف حافلات امام المدارس لتنقل التلاميذ الى معاهد خاصة، ليساعدهم فيها اساتذة اكفاء، في التحضير والاستعداد للامتحانات الى غاية منتصف الليل.
ولا ينام التلاميذ الكوريون الجنوبيون في آخر سنة من المرحلة الثانوية سوى 5 ساعات و24 دقيقة كل ليلة، ولا يتمتعون الا بأقل من نصف ساعة للترويح عن انفسهم كل يوم.
انتشر هذا النظام في البلاد خلال السنوات الاخيرة بسبب حرص الاولياء على نجاح اولادهم، ما اجبر بلدية سيئول على فرض حظر التجوال في المدينة، ابتداء من الساعة العاشرة ليلا، لكن نادرا ما يتم احترامه. ويعتبر المختصون بأن هذا الاجتهاد، هو مفتاح النتائج الدراسية الباهرة التي يسجلها الاقتصاد الثالث عشر عالميا وفق ترتيب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
يحتل تلاميذ كوريا الجنوبية المرتبة الثانية بعد تلاميذ شنغهاي، وقبل تلاميذ فنلندا في مادة القراءة، واما بالنسبة لمادة الرياضيات، فيحتلون المرتبة الرابعة بعد شنغهاي وسنغافورة وهونغ كونغ.
واما تلاميذ فرنسا والولايات المتحدة الاميركية فما يزالون بعيدين جدا في هذا الترتيب لدرجة ان الرئيس الاميركي باراك اوباما، دعا الاميركيين الى اعتماد النموذج الكوري، حيث يدرس التلاميذ شهرا اضافيا في السنة، مقارنة بنظرائهم في ولايتي ويسيكنسون او نيوجرسي.
تقول منسقة البرنامج العالمي لتقييم الطلبة كيم كيونغ في سيئول، إن الحكومة وضعت برنامجا لاختبارات التقييم المبكر لتتأكد من تحكم التلاميذ في عشر مهارات منذ السنوات الاولى.
وتنفق الاسر في كوريا الجنوبية ما يعادل 3.5 في المائة من الناتج الاجمالي في الدروس الخصوصية، فيما ضاعفت الدولة المخصصات الموجهة للاستثمار في المدارس الابتدائية والثانوية.
ورغم هذا النبوغ والاجتهاد، الذي يميز المدارس الكورية الجنوبية، الا ان عددا من الخبراء يقولون بأن النظام المدرسي في هذا البلد قائم على‍ التلقين وليس الابداع وتنمية الطفل، ففي كوريا يستمع التلميذ للمعلم، وكأنه رجل دين، من دون ان يجرؤ على طرح اي اسئلة، واما الامتحانات فهي عبارة عن اسئلة بأجوبة عدة، يختار التلميذ الصحيح منها.
وتعليقا على ذلك تقول ايون جي (23 عاما) التي تحلم بالانتقال للولايات المتحدة الاميركية للدراسة في احدى جامعاتها: «المدرسة هنا هي الحفظ عن ظهر قلب، لا تناقش ابداً ما يقوله المعلم».

JoomShaper