"هانتي عامر غير بالبراهش" رددت هذه العبارة إحدى السيدات أثناء دخولها للمسجد وهي تعني "انظري إنه مليء بالأطفال الصغار "، فردت عليها أخرى معاتبة "هؤلاء ملائكة الرحمن.. وبهم يرحمنا الله وأنت تقولين عليهم براهش" كلمة سباب" ؟! استغفري مولاك فأنت في بيت الله".
ومن ركن بعيد بالمسجد تعالت أصوات نساء أخريات "سيرو تلعبو في التيساع" ( اذهبوا للعب بعيدا) ، "واش ما لقيتو فين تلعبو؟!"
فعلى الرغم من أن المسجد محضن تربوي يطبع في الطفل المثل والقيم من خلال المشاهدة والقدوة بالصالحين والخيرين، وبالرغم من أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يصطحب الحسن بن علي وهو صغير إلى المسجد، وكان كلما سجد سارع رضي الله عنه بالوثوب على ظهره، فيرفع الحبيب   رأسه رفعا رفيقا حتى يضعه على الأرض، إلا أن أغلب المصلين يرجحون إبعاد الأطفال وأبناء المصلين عن المساجد، ويدعونهم لاختيار مكان بعيد عن بيت الله للعب، غير عابئين بالدور الكبير للمسجد في المحافظة على الفطرة وتربية النشء.

المزعجون الصغار

تقول عائشة (في الأربعينيات من العمر): "لا أدري ما الذي يأتي بهؤلاء الأطفال إلى هنا.. إنهم مزعجون"، وإلى جوارها سيدة أخرى تؤكد الاعتراض قائلة: "اللوم ليس عليهم، بل على والديهم.. لا يأتون إلا للضوضاء والتشويش على المصلين".

وفي ركن آخر من المسجد تتبادل بعض النساء أطراف الحديث حول نفس الموضوع، تقول إحداهن في غضب: "والله لم أهنأ في صلاتي أبدا، الوقت كله وأنا أحاول أن أستمع لما يقوله المقرئ لكن دون جدوى"، وتجيبها صديقتها: "لقد فتنت في صلاتي.. فكل هؤلاء البنات اللواتي كن بجانبي كن مشغولات بالضحك"، وتتساءل في دهشة: "لا أدري ما الذي يضحكهن أثناء الصلاة!!".

كالنقش على الحجر

غير بعيد عن هؤلاء التقينا نادية (شابة في العشرينيات) تجمع حولها مجموعة من البنات بين 9 سنوات و15 سنة.. تحاول أن تعلمهن بعض مبادئ ولوج بيت الله.

فرحت كثيرا بهذا المنظر، فهو الوحيد الذي يبشر بخير بين كل هؤلاء النسوة اللواتي انزعجن من تواجد أطفال بينهن أثناء الصلاة.. تقول نادية: "ما أحلى أن تأتي للمسجد وتجمع هؤلاء الأطفال لتعلمهم بعض أمور دينهم، فأنا أراهم كورقة بيضاء يسهل تخطيطها ونقشها، فما أحلى أن أترك بصمات خير على هذه الصفحات البيضاء المشرقة لتحمل الرسالة في المستقبل".

وتضيف نادية: "بصراحة هناك بعض الأطفال يتفاعلون مع أترابهم ويحدثون تشويشا على المصلين، ولكن هذا لا يعني أن نمنع الأطفال من المسجد بشكل أو بآخر".

في نفس السياق يقول أحمد وهو يحمل ابنه على كتفيه: "ما أحلى أن تذهب إلى المسجد وتحمل ابنك على كتفيك تارة، أو تدعه يمشي بجانبك تارة أخرى،  فهذا يجعله ينشأ على حب المسجد ويعلمه الصلاة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أسوة عندما كان أحفاده يلعبون على ظهره وهو يصلي فلا يزجرهم، وحديث أنس خير دليل: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخفف مخافة أن تفتن أمه»".

أما فاطمة التي كانت منشغلة مع أبنائها فتقول: "ليست هناك فرصة أحسن من رمضان وصلاة التراويح بازدحامها بالكم الهائل من المصلين، فهذا المشهد يساعدني كثيرا في إقناع أبنائي بالمداومة على الصلاة في المساجد حتى تترسخ بداخلهم صورة صحيحة ومشجعة عن الصلاة في الإسلام".

في المسجد.. الأمر مختلف

وبين المؤيدين والمعارضين، وحتى تتحقق تنشئة الأطفال تنشئة إسلامية صحيحة ويتم تكوينهم من خلال المسجد دون المساس بأجواء السكينة والخشوع التي ينشدها المصلون داخل أماكن العبادة..لابد من تعليم الأطفال آداب المسجد وتعويدهم الالتزام بها، وكي يتحقق ذلك نعرض لكل أب وكل أم  بعض النصائح التي تعين على تحقيق ذلك:

- علموا الطفل الالتزام داخل المسجد، واشرحوا له أنه في بيت الله وعليه احترام هذه المنزلة، وحاولوا إرشاده للسلوك المطلوب وتنظيم جلوسه.

- فرقوا الأطفال بعضهم عن بعض في المسجد، واعملوا على توزيعهم بين المصلين حتى لا يتمكنوا من التشويش عليهم.

- اشتروا لأطفالكم بعض كتب التلوين أو أشرطة (فيديو) تعليمية توضح بالصور كيفية الوضوء والصلاة وتحتوي على بعض الأذكار.

- الاحتضان, القبلة, التربيت على الكتف, المسح على الظهر, والمدح المعتدل عند احترام الطفل لآداب المسجد يشجعه على الاستمرار ويحببه في الصلاة.

- عند احترام طفلكم لآداب المسجد يفضل أن تكون المكافأة فورية على كل فريضة يؤديها, كقطعة حلوى على سبيل المثال.

- أقيموا منافسة بين طفلين في المحافظة على آداب المسجد وضعوا مكافأة للفائز.

- نفذوا طلبات الطفل المعقولة بشرط أن يحترم وقت الصلاة، وأن يراعي حرمة المسجد ولا يزعج المصلين.

- كونوا  قدوة حسنة لأولادكم بأن تكونوا أكثر من يحافظ على الصلاة وأول من يصليها في وقتها.

- اجعلوا من طفلكم الصغير معلما وداعية لأقرانه، كأن يوجههم عندما يخطئون ويفكر في إصلاح سلوكيات أصدقائه الصغار وهدايتهم.

- استخدم  أيها الأب الإيحاء الإيجابي, وقول لطفلك" أكيد أنك تشعر بالسعادة اليوم لأنك كنت هادئا في المسجد وصليت مثل الشيوخ الأجلاء، وأخبره أنه سيكون رفيقك في كل مكان، وأن مكانته أصبحت متميزة عندك لأنه أصبح يعرف قيمة المسجد.

- وأخيرا فسر لأولادك الآيات التي تتحدث عن ثواب المصلين وكيف أنها تتضاعف في صلاة الجماعة، وعقاب الذين يتركون الصلاة.

ليلى أمزير

إسلام اون لاين

JoomShaper