يأتي العيد فرحة للجميع ومسرة للكبير والصغير, فإليه تنتهي مرحلة عمل فيها الشخص كثيرا ليجد في نهاية عمله هذا شيئا من الراحة والسعادة, وليتقاسم وأطفاله المباهج الكثيرة, وهذا حال كل الناس في هذا اليوم, ولكن يبقى دائما السؤال حول كيفية التعاطي مع مفردات الفرح في هذا اليوم وهل هذا التعاطي هو تعاط سليم أم أن الأمر تشوبه الشوائب الكثيرة التي يجب تجنبها والبحث عن البدائل الأفضل لها
وعدم اللجوء إلى السلبي لملء فراغ ساحة البهجة التي نطمح لها, والتخلي عن المفيد بحجة أن اليوم يوم فرح وكل شيء مسموح فيه.
ولأن الاعتقاد بأنه يجب الحفاظ على فرحة الأطفال في هذا اليوم لأنه عيدهم قبل أي أحد آخر, ولأن الاعتقاد الآخر الأكثر سوادا هو أن فرحة الطفل هو تركه ليفعل ما يريد وبدون أن ننغص عليه يومه, فإن الكثير من العائلات والأسر في منطقتنا تسمح لأطفالها بممارسة بعض العادات السلبية وتنسى محاسبتهم عليها بقصد أن اليوم عيد فقط , متناسين أن مجرد توجه الطفل إلى تلك العادات وخلاصهم من العقاب يؤدي بهم إلى التعود على تلك العادات التي تشكل غالبا نقطة بداية لممارسة الكثير من الشرور والسيئات.
ولقد أصبحت عادة لدينا أن يسمح الأهل لأطفالهم بشراء علبة دخان يوم العيد وفقط لأنه يوم عيد ويجب على أطفالهم التمتع قدر المستطاع بهذا اليوم, فيأخذ كل طفل مصروف العلبة ويشتري بها تلك العلبة التي تبقى معه لأيام يتبادل التدخين فيها مع أصدقائه وحتى إن سأل الأهل بعد يوم العيد عن علبة الدخان هذه فإن الجواب يبقى بأنها ما تبقى من علبة يوم العيد.
إن تعويد أطفالنا على بعض العادات السلبية وتحت أية حجة كانت ليس بالأمر المقبول به أبدا, لأن مجرد دفعهم إلى هذه العادات يعني لديهم إمكانية سماح الأهل بممارسة تلك العادات تحت نوع معين من الضغط, وهذا ما يدفع بهم إلى المطالبة بممارسة هذه العادة مرارا, وإن جاء الرفض فإن الحل الأوحد يبقى لدى الطفل هو ممارسة العادة السيئة مع أصدقائه سرا, ريثما يتم توجيهه بواسطة تلك العادة إلى الإدمان عليها والتوجه نحو غيرها من العادات السيئة التي تجر الواحدة الأخرى.
وتبقى دائما رقابة الأهل على الأطفال هي الأمر الأهم في العملية التربوية, وعدم السماح لهم بأي نوع من التهرب من الإحساس بالخوف من العقاب, لأن مجرد انهيار هذه الرقابة أو اكتشاف الطفل لأي منفذ أو ثغرة فيها يؤدي به إلى التحايل على تلك الثغرات بطرق شتى للوصول إلى غاياته التي لن تكون بالتأكيد وهو في هذا العمر غايات سليمة موجهة ذاتيا نحو الأفعال الايجابية, لأن النفس وشهواتها ورغباتها هي المتحكمة في الطفل في هذه المرحلة العمرية أكثر من أي تحكم عقلي أو أي شيء آخر.
فكيف يجب أن نسعد أطفالنا؟ إن ذلك يتم عبر البحث لهم عن أنجع الطرق لسعادتهم, والبحث عن السعادة الحقيقية والتي لا تأتي بالتراخي في الواجبات والانتهاء إلى أنواع من الكسل في تربيتهم ودلالهم ولو ليوم واحد, بل بتوجيههم إلى أنواع من السعادة تكون هي الأفضل لهم الآن, وفي عيدهم هذا ومستقبلا, ولذلك فيجب التنبه إلى ضرورة لعب دور الأب الرقيب دائما, وعدم الشعور بأن إجبار الطفل على الصحي والسليم من العادات هو إكراه له ومنع لسعادته, بل إنها البذور الأولى لسعادة تامة وكاملة تأتي مع تقدم الطفل في العمر ليجني ثمارها مستقبلا وليحس بعمق وأهمية تلك الرقابة وذلك المنع الذي مارسه الأهل عليهم في أيام كأيام العيد هذه.
إن تدخين الطفل في يوم العيد لا يحمل له سوى دلالات الشعور بأنه طبيعي وبأنه كغيره ودلالة الشعور بعدم الدونية, تلك النواقص التي يحس بها الكثير من الأطفال, ومحاولة الأهل لملء هذه الشواغر في شخصية الطفل عبر الكثير من الوسائل التربوية الصحيحة والكثير من المرغبات الأسلم والأنجع, هو ما يجب أن يكون الشغل الشاغل للأهل في تلك اللحظات التي يطلب فيها الطفل ثمن علبة السيجارة.
إن عملية التربية تتطلب معرفة أن هناك بعض الأمور التي نعتقد بأنها سيئة على الطفل ومزعجة له إلا أن أثرها ووقعها عليه كبير مستقبلا, فلا يجب أن نفكر بحاضر الأطفال كما يفكر به هم, بل أن مهمتنا تكمن في المناسب لهم فيما هو آت من زمن وليس التفكير معهم في الآني الزائل.
لذلك يجب اللجوء إلى تعليم الطفل عادات فرحه وعادات حزنه الأكثر ايجابية, والتي من شأنها أن لا تكون وبالا عليه مستقبلا, ويجب البحث عن أسس السعادة الحقيقية لأنها لا تكمن دائما في المحظور ومحاولة الرغبة في الممنوع, بل إنها تكمن في الآني الصعب والمستقبلي السهل لأن أية خطوة حالية تترك آثارها على فكر الطفل وترقى معه إلى الشيخوخة.

عامر خ. مراد
مجلة ثرى - العدد 199 تاريخ 19\ 9 \2009 - السنة الخامسة

JoomShaper